
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مدينة بنسليمان، حيث تتجلى الاستثناءات كقاعدة لا استثناء، يبرز مشهد عبثي يجسد فوضى عارمة تتجاوز حدود القانون والمألوف. هذه المدينة، التي كان يُعتقد أنها على أعتاب نهضة حضارية، أضحت مرادفًا لكل ما هو خارج عن السيطرة، حيث تتلاشى قرارات السلطات المختصة أمام جبروت لوبيات الفساد التي تحكم قبضتها على مفاصل المدينة. إنها ليست مجرد فوضى عابرة، بل هي فوضى خلاقة تُدار ببراعة لتخدم مصالح خفية، تاركةً القانون مجرد حبر على ورق.
لقد هللت الأوساط الإعلامية والصفحات الفيسبوكية لقرار جماعي كان من شأنه أن يعيد للمدينة هيبتها، قرار يمنع تجوال العربات المجرورة داخل المجال الحضري. كانت اللافتات تُعلن عن هذا القرار بحماس، ووُصف حينها بأنه حكيم وواقعي، سيخلص المدينة من فضلات وروائح كريهة، ومن عرقلة للسير وحوادث متكررة تسببها هذه العربات، بما فيها “الكوتشيات”. تنفس الجميع الصعداء، وأثنوا على شجاعة هذا القرار الذي بدا وكأنه بارقة أمل في أفق بنسليمان الملبد بالفوضى.
لكن سرعان ما تبخر هذا الأمل، واختفت اللافتات، وتراجعت السلطات المختصة خطوات إلى الوراء، وكأن شيئًا لم يكن. لم يعد أحد يتحدث عن القرار الجماعي، ولا عن تطبيقه رغم مرور أزيد من شهرين، في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن السلطة الحقيقية في بنسليمان ليست بيد من يُفترض بهم تطبيق القانون، بل بيد أصحاب العربات المجرورة الذين يفرضون قانونهم الخاص على الجميع. إنهم يعلنون صراحة أن السلطات المختصة في هذه المدينة لا حول لها ولا قوة، وأنها مجرد واجهة لا تملك من أمرها شيئًا.
حتى السيد العامل، الذي جاء إلى المدينة بقوة وحيوية، عازمًا على تنظيفها وتخليصها من براثن الفوضى والفساد، يبدو أنه قد تراجع هو الآخر، ليصبح مجرد متفرج، تمامًا كما فعل من سبقوه. هذا التراجع يؤكد أن إقليم بنسليمان تحكمه مافيا ولوبيات هي من تملي على العمال ما يقومون به، وتنهاهم عن كل ما لا يخدم مصالحها. وعليه، نوجه نداءً آخر للسيد العامل، عليكم أن تتحروا عن كل صغيرة وكبيرة، فجولة بسيطة في مدينة بنسليمان ستكشف لكم أن القانون فيها مغيب، وأن القرارات العاملية والجماعية لا أثر لها على أرض الواقع، بل هي مجرد حبر على ورق في غياب تام للسلطات المختصة التي يبدو أنها استسلمت للأمر الواقع، أو ربما كانت جزءًا منه. إنها مأساة مدينة تتآكلها الفوضى، وتُدار بقوانين الظل، في ظل صمت مطبق يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبلها ومستقبل ساكنيها.
وللحديث بقية…