من مكتب الاتصال إلى سفارة كاملة ضرورة دبلوماسية لترسيخ الشراكة المغربية-الإسرائيلية

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في ديسمبر 2020، فتح المغرب وإسرائيل صفحة جديدة في تاريخهما الطويل والمعقد، معلنين استئناف العلاقات الدبلوماسية بوساطة أمريكية. هذه الخطوة، التي توجت بإعادة فتح مكاتب الاتصال في الرباط وتل أبيب، لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت تتويجًا لعقود من التواصل غير الرسمي والروابط التاريخية العميقة. اليوم، وبعد سنوات من هذا التطور الهام، يبرز سؤال دبلوماسي واستراتيجي ملح، هل حان الوقت للانتقال من مكاتب الاتصال إلى سفارات كاملة التمثيل؟ إن ترقية التمثيل الدبلوماسي لا يمثل فقط خطوة بروتوكولية، بل هو ضرورة لترسيخ الشراكة، وتعميق التعاون، ومواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.

ولفهم أهمية هذه الخطوة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين المغرب وإسرائيل، وهي علاقة لا مثيل لها في العالم العربي. حيث يحتضن المغرب تاريخًا يهوديًا يمتد لآلاف السنين، ويشكل هذا التراث جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية المغربية، وهو ما كرسه دستور 2011 الذي يعترف بالمكون العبري كأحد روافد الهوية المغربية. حتى قبل أي تطبيع رسمي، حافظ البلدان على قنوات اتصال سرية وعلنية. كما لعب المغرب، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، أدوارًا محورية في تسهيل الحوار بين القادة العرب والإسرائيليين، بما في ذلك محادثات السلام المصرية-الإسرائيلية. وفي أعقاب اتفاقيات أوسلو، أقام البلدان علاقات دبلوماسية على مستوى منخفض، حيث تم فتح مكتبي اتصال في عام 1994. ورغم إغلاق هذه المكاتب مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، استمرت الروابط غير الرسمية والزيارات السياحية.

جاء استئناف العلاقات في 2020 ضمن “اتفاقيات أبراهام” وبإطار ثلاثي شمل الولايات المتحدة التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء. ونص الإعلان المشترك على إعادة فتح مكاتب الاتصال بهدف واضح وهو الارتقاء بها إلى سفارات كاملة في المستقبل القريب. في غشت 2021، وخلال زيارة تاريخية لوزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد إلى الرباط، تم الإعلان عن نية البلدين فتح سفارتين في غضون شهرين. وقد أشارت تقارير إلى أن المغرب ربط ترقية مكتب الاتصال إلى سفارة باعتراف إسرائيلي رسمي بسيادته على الصحراء الغربية، وهو الشرط الذي تحقق في يوليو 2023 عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراف بلاده الرسمي، مما فتح الباب على مصراعيه أمام استكمال المسار الدبلوماسي.

وبالتالي فإن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى سفارات كاملة سيوفر زخمًا جديدًا للعلاقات على عدة مستويات.

أولاً، على المستوى السياسي والدبلوماسي، يُعد رفع مستوى التمثيل أقوى رسالة سياسية تؤكد على متانة واستدامة العلاقات، وتوضح أن الشراكة بين البلدين هي خيار استراتيجي طويل الأمد وليس مجرد تفاهم تكتيكي.

ثانيًا، سيعمق التعاون الاقتصادي والتجاري؛ فرغم نمو التبادل التجاري، إلا أنه لا يزال دون الإمكانيات الحقيقية. وجود سفارات بكامل طواقمها، بما في ذلك الملحقين التجاريين، سيسهل إبرام اتفاقيات أكبر ويشجع الاستثمارات.

ثالثًا، سيعزز التعاون الأمني والاستخباراتي، حيث يواجه البلدان تهديدات إقليمية مشتركة، ووجود سفارات يرفع من مستوى التنسيق الأمني.

وأخيرًا، سيؤدي إلى تطوير الخدمات القنصلية لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السياح ورجال الأعمال.

على الرغم من النوايا المعلنة والأساس المتين، واجهت عملية الترقية بعض التحديات، أبرزها التوترات الإقليمية التي أدت إلى تباطؤ في الزخم، حيث تم إجلاء موظفي مكتب الاتصال الإسرائيلي مؤقتًا في أكتوبر 2023. ومع ذلك، عاد المكتب للعمل بشكل تدريجي في أغسطس 2024، مما يشير إلى رغبة في الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة. ويؤكد المغرب باستمرار على موقفه المتوازن والثابت من القضية الفلسطينية ودعمه لحل الدولتين، معتبرًا أن علاقاته مع إسرائيل يمكن أن تخدم قضية السلام في المنطقة.

إن ترقية مكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب إلى سفارتين كاملتين لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة دبلوماسية واستراتيجية ملحة. هذه الخطوة ستمثل تتويجًا طبيعيًا لمسار تاريخي فريد، وسترسخ شراكة مبنية على مصالح مشتركة وروابط إنسانية عميقة. من خلال إتمام هذه الخطوة، يرسل المغرب وإسرائيل رسالة قوية للعالم مفادها أن التعاون والسلام هما الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!