رياض مزوار و أوراق التنمية المزعومة أو حين يصبح الإقليم المنكوب منصةً للترشح

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في زمنٍ باتت فيه الشاشة الزجاجية نافذةً لا ترحم على واقعٍ مرير، وبينما كنتُ أتصفحُ روتيني اليومي في فضاءات التواصل الاجتماعي التي لا تنام، اعترضتني صرخةٌ إعلاميةٌ مدويةٌ على صدر إحدى الجرائد الوطنية، صرخةٌ بدت لي كأنها نشازٌ صارخٌ في سيمفونية الواقع المتهالكة. كان العنوان فضفاضاً، ركيكاً، ومجافياً للحقيقة إلى حدّ الاستفزاز يقول : “مزوار يرفع ورقة التنمية ببنسليمان”. يا للهول! أيّ تنميةٍ هذه التي يتحدثون عنها؟ ومتى كان هذا الرفع المزعوم؟ إنّها جملةٌ لا تملك من الصدق إلا حروفها، ولا تحمل من الواقع إلاّ مرارته. إنّها محاولةٌ بائسةٌ لتجميل وجهٍ قبيحٍ لمدينةٍ أضحت مرادفاً للإهمال، ومرتعاً لكلّ الظواهر التي تدمي القلب وتُسيء إلى كرامة المواطن.

دعونا نضع هذا العنوان تحت مجهر النقد الذاتي، لا نقد المجاملة أو التزلف، بل نقد ابن المنطقة الذي يرى بعينيه ما لا تراه عدسات الكاميرات الموجهة. على أيّ تنميةٍ تتحدثون وبنسليمان اليوم ليست سوى خريطةٍ من الحفر التي تبتلع عجلات المركبات وتهدد سلامة المارة؟ على أيّ تنميةٍ تتحدثون والمدينة تغرق في بحرٍ من الأزبال المتراكمة التي تُنذر بكارثةٍ بيئيةٍ وصحيةٍ وشيكة، في مشهدٍ يُعيدنا إلى عصورٍ ولّت كان يُفترض أن نكون قد تجاوزناها؟ إنّها مدينةٌ تُعاني من انتشارٍ وبائيٍّ لكلّ الظواهر المشينة التي تنخر جسدها الاجتماعي : احتلالٌ ممنهجٌ ومقيتٌ للملك العام، بناءٌ عشوائيٌّ ينمو كالفطر السامّ على حساب الجمالية والتنظيم، انتشارٌ مرعبٌ للكلاب الضالة التي باتت تُشكّل خطراً يومياً على الأطفال والنساء، بل وحتى أطفال الشوارع الذين باتوا شهوداً صامتين على فشلٍ ذريعٍ في إدارة الشأن المحلي. وما خفي أعظم وعلى قول ناس الغيوان : “لي قال لعصيدة باردة يدير يدو فيها”.

إنّ المفارقة تكمن في أنّ من يسير الشأن المحلي في هذه المدينة المنكوبة هو حزب الاستقلال، وهو ذات الحزب الذي ينتمي إليه معالي الوزير “رافع ورقة التنمية”. هذا التناغم الحزبي بين الإدارة المحلية والوزارة الوصية لم يُنتج سوى مزيداً من التدهور والركود. ومنذ سنة 2021، وتحديداً منذ تعيينه وزيراً للتجارة والصناعة، وشباب مدينة بنسليمان يرزحون تحت وطأة البطالة الخانقة، بطالةٌ لم تجد لها “ورقة تنمية” ترفعها أو حتى تلتفت إليها. أين كان هذا الوزير رياض مزور طوال هذه السنوات؟ وأين كانت تنميته المزعومة؟ ولماذا لم يرفع أوراق التنمية إلا اليوم، في هذا التوقيت بالذات؟

الإجابة، لمن يملك بصيرةً لا تُعميها الشعارات، واضحةٌ كالشمس في رابعة النهار. إنّ معالي وزير التجارة والصناعة، صاحب الأوراق التنموية التي لا وجود لها إلا في مخيلة المروجين، ينوي الترشح للاستحقاقات الانتخابية البرلمانية برسم سنة 2026 بإقليم بنسليمان كوكيل لائحة تم إنزاله. إنّها مسرحيةٌ انتخابيةٌ مكشوفة، محاولةٌ فجةٌ لاستغلال بؤس المدينة كمنصةٍ للقفز السياسي، باسم حزب الاستقلال الذي لم يُخلف في المدينة سوى الخراب وأعاد عقارب تنميتها إلى الخلف لعقودٍ طويلة. إنّ التنمية الحقيقية لا تُرفع كورقةٍ في موسم الانتخابات، بل تُبنى كصرحٍ شامخٍ على مدار السنوات، بعيداً عن ضجيج الحملات ومناورات المرشحين.

أما الشعار الذي يرفعه هذا التوجه، وهو “من أجل إدماج المهنيين والمقاولات في مسار التنمية بالإقليم”، فهو أكبر كذبةٍ سمعتها كابنٍ للمنطقة وكفاعلٍ سياسيٍّ وصحفيٍّ يدرك خبايا الأمور. إنّ الإدماج الحقيقي لا يتمّ عبر شعاراتٍ جوفاء، بل عبر سياساتٍ عموميةٍ شفافةٍ ومشاريعَ هيكليةٍ تلامس الواقع وتُحفّز الاقتصاد المحلي والمنطقة الصناعية شاهد على مدى إخفاقات هذه الجماعة وحتى وزارة الصناعة و التجارة. إنّ الحقيقة التي لا غبار عليها، والتي يجب أن تُقال بصدقٍ ومرارة، هي أنّ حزب الاستقلال يعيش أزمة أطرٍ حقيقيةٍ في الإقليم. فمنذ تعيين السيد محمد أجديرة كممثلٍ لهذا الحزب العتيد بالجماعة الترابية، وطرد أبنائه المناضلين الذين أفنوا زهرة شبابهم في خدمته، تأكد لنا أنّ الحزب لم يجد من يخلف قاماتٍ كالسيد خليل الدهي، فاضطر إلى الاستنجاد بأطرٍ لا علاقة لها بالمدينة ولا بالإقليم، كما هو الشأن بالنسبة للسيد رياض مزور، ابن مدينة الرباط.

نحن لسنا ضدّ ترشح رياض مزور أو أيّ شخصٍ آخر، سواء كان رياض مزور أو رياض السنباطي، فالساحة السياسية تتسع للجميع. ولكننا ضدّ أن تُكذبوا على الساكنة بشعاراتٍ انتخابيةٍ سابقةٍ لأوانها، وضدّ أن توهمونا بأنّ التنمية ستكون “مزوارية” بقدوم شخصٍ غريبٍ عن جغرافية الإقليم ووجدان أهله. إنّ هذا الترويج المضلل يُخفي حقيقةً ساطعةً يجب أن تُقال بصوتٍ عالٍ : إنّ التنمية في إقليم بنسليمان بصفةٍ عامة، وبمدينة بنسليمان بصفةٍ خاصة، هي تنميةٌ ملكيةٌ ثم ملكيةٌ ثم ملكية. إنّها تنميةٌ تنبع من الإرادة السامية لجلالة الملك، وتُجسّد رؤيته الاستراتيجية للنهوض بكلّ ربوع الوطن وسيسهر عليها ممثله عامل الإقليم، ولا يمكن اختزالها في “ورقة” يرفعها وزيرٌ في موسمٍ انتخابيٍّ بائس.

فكونوا موضوعيين أيها السادة، وتحلّوا بالصدق مع أنفسكم ومع الساكنة التي ضاقت ذرعاً بالوعود الكاذبة والمناورات السياسية من بني جلدتهم فما بالك بالوافد الجديد الذي سيرحل ليلة الاعلان عن النتائج أكانت لصالحه أو ضده فالمثل المغربي يقول : “ميبات في القبر غير مولاه” وقبر سيدي محمد بنسليمان لا يتسع لمعالي وزير الصناعة و التجارة. كفوا عن الترويج لأكاذيبكم التي لم تعد تنطلي على أحد. إنّنا هنا، كفاعلين سياسيين وصحفيين وأبناءٍ لهذا الإقليم، لن نتردد في الردّ عليكم وعلى كلّ من يُحاول تضليل الرأي العام، وسنظلّ صوتَ الحقيقة الذي يُفضح الزيف ويُعلي كلمة الوطن فوق كلّ اعتبارٍ حزبيٍّ أو شخصيّ. إنّ بنسليمان تستحقّ تنميةً حقيقيةً التي أقرها وأشر عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لا تنميةَ الأوراق الانتخابية المزوارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!