
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يمثل القانون رقم 03.23، الذي يغير ويتمم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، محطة مفصلية في مسار الإصلاح التشريعي المغربي، إذ لا يقتصر تأثيره على مجرد تحديث الإجراءات، بل يتجاوز ذلك ليؤسس لـ “فلسفة جديدة” في التعامل مع الدعوى العمومية، تضع الحقوق والحريات الفردية في صلب المعادلة الجنائية. إن هذا الإصلاح، الذي طال انتظاره، يعكس التزام المملكة بتكريس مبادئ المحاكمة العادلة وفقاً للمعايير الدولية والدستورية، ويستجيب في جوهره لضرورة الموازنة الدقيقة بين فعالية الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون وصون كرامة وحرية الأفراد.
إن أبرز ملامح هذا التحول تكمن في التعزيز الجذري لضمانات المحاكمة العادلة. لقد كان حق الدفاع، ولا يزال، حجر الزاوية في أي نظام قضائي ديمقراطي، وقد عزز القانون الجديد هذا الحق بشكل غير مسبوق. فمن الآن فصاعداً، أصبح تمكين المحامي من حضور الاستجواب منذ اللحظة الأولى لاعتقال المشتبه فيه ليس مجرد امتياز، بل هو حق أصيل يضمن سلامة الإجراءات من بدايتها، ويحول مرحلة البحث التمهيدي من حيز مغلق إلى فضاء يخضع لرقابة الدفاع. ويتكامل هذا المقتضى مع الحق في لقاء المشتبه فيه مع محاميه بشكل مستقل في كل مرحلة من مراحل البحث والتحقيق، وهو ما يشكل ضمانة إضافية ضد أي شكل من أشكال الضغط أو الإكراه، كما أكدت على ذلك التقارير المتخصصة. إن هذا التمكين المبكر للدفاع يرسخ مبدأ المواجهة ويقلل من احتمالية الطعن في محاضر الضابطة القضائية لاحقاً. كما أن القانون لم يغفل عن توضيح مقتضيات قرينة البراءة، التي تعد مبدأ دستورياً وكونياً، وتأكيد المنع المطلق لاستعمال وسائل الإكراه أو التعذيب، مع النص على بطلان الإجراءات المخالفة. ويضاف إلى ذلك تكريس الحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول، وهو ما يحد من طول أمد التقاضي، وتوسيع نطاق المساعدة القانونية لتشمل فئات أوسع، مما يضمن أن العدالة ليست حكراً على القادرين مالياً.
في سياق متصل، يبرز الإصلاح بوضوح في مجال تحديث آليات التحقيق والبحث، حيث يهدف إلى إضفاء مزيد من الشفافية والرقابة على عمل الشرطة القضائية. إن تنظيم آليات الحراسة النظرية وتقييدها بضوابط قانونية دقيقة، من حيث المدة والتمديد والتعليل، يمثل خطوة حاسمة نحو الحد من التعسف المحتمل في استعمال هذا الإجراء المقيد للحرية، ويجعل منه إجراءً استثنائياً بحق. ولعل المقتضى الأكثر رمزية وتأثيراً هو إدراج التسجيل السمعي البصري أثناء الاستجواب، وهو إجراء يمثل ثورة حقيقية في توثيق الإجراءات، إذ يوفر دليلاً مادياً على كيفية سير الاستنطاق، مما يعزز الشفافية ويحمي المشتبه فيه ورجال الضبط القضائي على حد سواء. غير أن تفعيل هذا المقتضى يطرح تحديات لوجستية وقانونية تتعلق بضمان سلامة هذه التسجيلات، وحمايتها من التلاعب، وتحديد الجهات المخولة قانوناً بالاحتفاظ بها ونسخها، بما يضمن سلسلة حراسة الأدلة بشكل لا يقبل الجدل. ولم يقتصر التحديث على ذلك، بل شمل تحديث قواعد التفتيش والحجز الإلكتروني لمواكبة الجرائم السيبرانية، ووضع آليات لحماية الشهود والضحايا والمبلغين، بالإضافة إلى إلزام الشرطة القضائية والنيابة العامة بإجراء فحص طبي للمشتبه فيه عند ظهور مؤشرات تدعو لذلك، مما يرسخ مبدأ الحماية الجسدية والنفسية كجزء لا يتجزأ من الإجراءات الجنائية.
أما فيما يتعلق بترشيد الاعتقال الاحتياطي، فقد وضع القانون الجديد ضوابط صارمة لتقييد قراراته، مع إلزامية التعليل المفصل، وهو ما يمثل استجابة مباشرة للانتقادات الموجهة للاستعمال المفرط لهذا الإجراء الاستثنائي. إن الهدف هو تحويل الاعتقال الاحتياطي من قاعدة إلى استثناء، من خلال توسيع نطاق اللجوء إلى بدائل الاعتقال الاحتياطي، مثل المراقبة القضائية أو الإقامة الجبرية، مما يساهم في صون الحرية الفردية وتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، مع الحفاظ على متطلبات البحث وسلامة الإجراءات. إن هذا التوجه يتماشى مع المبادئ الحديثة للعدالة الجنائية التي ترى في الحرية الأصل وفي الحرمان منها استثناءً لا يجوز اللجوء إليه إلا لضرورة قصوى ومبررة قانوناً وواقعاً.
ويعكس القانون أيضاً توجهاً نحو دعم العدالة الجنائية المتخصصة، وهو ما يتجلى في إحداث غرف متخصصة في جرائم الفساد المالي وغسل الأموال والإرهاب. هذا التخصص يضمن كفاءة أعلى في التعامل مع هذه الجرائم المعقدة التي تتطلب خبرة قانونية ومالية متعمقة، ويسرع من وتيرة البت فيها. كما أن القانون أولى عناية خاصة الأحداث، حيث وضع مقتضيات جديدة تركز على بدائل العقوبات السالبة للحرية، مع الأخذ بالمصلحة الفضلى للحدث كمعيار أساسي، مما يعكس نظرة إصلاحية وتأهيلية للعدالة الجنائية الخاصة بالطفل، ويحول التركيز من العقاب إلى الإدماج الاجتماعي والتربوي.
ولم يغفل الإصلاح عن الجانب المتعلق بتعزيز حماية الضحايا، خاصة في سياق الجرائم المرتبطة بالنوع الاجتماعي. لقد تم وضع مساطر خاصة للبحث والتحقيق في هذه الجرائم، تضمن كرامة الضحية وسلامتها النفسية. ومن أبرز هذه المقتضيات تمكين الضحية من مرافقة من تثق بهم، واختيار جنس من يستمع إليها، وتأمين الحماية لها، وإخفاء هويتها عن الإعلام، بالإضافة إلى ضمان ولوج الضحايا للدعم النفسي والاجتماعي والقانوني. هذه الإجراءات تمثل اعترافاً تشريعياً بخصوصية هذه الجرائم وضرورة توفير بيئة آمنة للضحية للإدلاء بشهادتها، وهو ما يرسخ مفهوم “العدالة المتمحورة حول الضحية”.
أخيراً، أدخل القانون آليات أخرى تهدف إلى تفعيل العدالة التصالحية وتطوير الإجراءات. فقد تم توسيع نطاق الجرائم القابلة للصلح والتنصيص على الوساطة الجنائية كآلية لإنهاء الدعوى العمومية في بعض الحالات، مما يسرع من وتيرة البت في القضايا ويخفف العبء عن المحاكم، ويحقق العدالة الترميمية بين الجاني والضحية. كما شمل التحديث نصوص قانون المسطرة الجنائية لتشمل مراجعة مقتضيات الإكراه البدني ومدة التقادم، بما يتوافق مع التطورات الحقوقية، بالإضافة إلى التأكيد على تطوير الوسائل التكنولوجية الحديثة في الإجراءات الجنائية، وهو ما يفتح الباب أمام رقمنة العدالة الجنائية، من الاستدعاءات إلى المحاكمات عن بعد، لضمان السرعة والفعالية.
وعليه، يمكن القول إن القانون رقم 03.23 يمثل قفزة نوعية في مسار العدالة الجنائية المغربية. إنه ليس مجرد تعديل تقني، بل هو مشروع مجتمعي يهدف إلى بناء عدالة أكثر إنسانية، وأكثر فعالية، وأكثر احتراماً للحقوق والحريات. إن التحدي الحقيقي يكمن الآن في التنزيل السليم لهذه المقتضيات على أرض الواقع، لضمان أن تتحول هذه النصوص القانونية المتقدمة إلى ممارسة قضائية راسخة، تحقق التوازن المنشود بين متطلبات الأمن العام وسمو الحقوق الفردية. إن نجاح هذا الإصلاح يقاس بمدى قدرته على تغيير الثقافة القضائية والممارسات العملية لجميع المتدخلين في سلسلة العدالة الجنائية.