
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في قلب أوروبا، يقف المسجد الكبير في بروكسل شامخًا بجدرانه، لكن روحه تتآكل بفعل عقود من الاستغلال السياسي والفساد الأيديولوجي. هذا الصرح الذي كان من المفترض أن يكون منارة للإسلام السمح في بلجيكا، تحول إلى ساحة معركة للنفوذ الأجنبي، وبؤرة لتفريخ التطرف، واليوم، يتداعى هيكله المادي كما تداعت رسالته الروحية. إن قصة هذا المسجد ليست مجرد قصة حجارة متصدعة، بل هي مرآة فاضحة لفشل ذريع في حماية الدين من أنياب السياسة.
لعقود طويلة، سُلمت مفاتيح هذا المنبر الإسلامي الأهم في بلجيكا إلى إدارة أجنبية، فحولته إلى منصة لترويج فكر أيديولوجي واحد، متشدد ومنغلق، لا يمت بصلة لواقع مسلمي أوروبا وتحدياتهم. تحت ستار العمل الدعوي، تم بث خطاب الكراهية والتعصب، وزُرعت بذور الانعزال التي حصدت تطرفًا وعنفًا ضربا في قلب بروكسل نفسها. لقد كانت صفقة سياسية مسمومة، قايضت فيها المصالح الدبلوماسية روح الإسلام المعتدل، وتركت الشباب المسلم فريسة سهلة لدعاة الموت والتكفير من سنة وشيعة.
وعندما استيقظت السلطات البلجيكية أخيرًا على وقع الصدمة، لم يكن الحل أفضل من الداء. فبدلاً من إعادة المسجد إلى أبنائه الحقيقيين، مسلمي بلجيكا من كل الأطياف، تم تسليمه في صفقة سياسية أخرى إلى نفوذ أجنبي جديد. تتغير الأعلام والوجوه، لكن المبدأ يبقى واحدًا، المسجد ليس لأهله، بل هو ورقة مساومة في لعبة الأمم. إنها إهانة متكررة لمسلمي بلجيكا، الذين يُعاملون كقطيع قاصر لا يستطيع إدارة شؤونه، ويتم استبدال راعٍ براعٍ آخر أقبح منه، بينما تُسرق منهم هويتهم الدينية المستقلة، كما تسرق أموال المسلمين.
واليوم، بينما تتهاوى مئذنة المسجد حرفيًا، فإن هذا الانهيار المادي ليس إلا رمزًا صارخًا للانهيار الروحي والأخلاقي الذي أصابه. لقد صدئ هيكله الداخلي تمامًا كما صدئت رسالته الأصلية بفعل تسربات السياسة القذرة والمصالح الضيقة. إن سقوط حجارة المئذنة هو صرخة مدوية في وجه كل من استغل هذا المكان المقدس، وحوله من بيت لله إلى وكر للتطرف، ومن مركز إشعاع حضاري إلى سلعة رخيصة في سوق الصفقات المالية و التجسسية الدولية. لقد حان الوقت لكي يستعيد مسلمو بلجيكا مسجدهم، ويطهروا منبره من كل فكر دخيل كالسعودية وإيران، ويعيدوا بناء مئذنته على أساس من الإيمان الحقيقي والولاء للوطن، لا على أساس الولاءات السياسية العابرة للقارات.