
المصطفى الجوي – موطني نيوز
يمثل قطاع النقل العمومي شريان الحياة لأي إقليم يسعى إلى التنمية الشاملة، وفي إقليم بنسليمان، تتجه الأنظار نحو مرحلة جديدة تحمل في طياتها الكثير من التطلعات والأرقام التي تستوجب وقفة تحليلية متعمقة. لقد شهد يوم الاثنين الموافق 27 أكتوبر 2025 حدثاً مفصلياً بوصول أسطول الحافلات الجديد من الصين عبر ميناء الدار البيضاء، وهو الأسطول الذي يمثل اللبنة الأولى في مشروع طموح لإدارة مرفق النقل العمومي الجماعي الحضري وما بين الجماعات. هذا الأسطول يتكون من 44 حافلة، منها 4 حافلات بطول 16 متراً و40 حافلة بطول 12 متراً، وهي مجهزة بخدمات عصرية كالـ “ويفي” والتكييف، لتنتقل بعدها إلى شركة مغربية لإتمام التجهيزات اللازمة قبل تسليمها للمشغل الجديد.
إن المشغل المنتظر هو مؤسسة “ارتقاء”، التي تأسست في 23 يونيو 2023، وتضم حالياً سبع جماعات هي، بنسليمان، بوزنيقة، المنصورية، الشراط، عين تيزغة، الفضالات، والزيايدة. هذه المؤسسة، التي أعدت مرأباً ومقراً لها بتراب جماعة الزيايدة، تقف اليوم على أعتاب إطلاق خدمة النقل الجديدة، لتضع حداً لعهد شركة “لوكس” السابقة. وفي هذا السياق، بدأت العملية الإجرائية في الخميس الموافق 23 أكتوبر 2025، حيث تم فتح مسطرة صفقة اختيار الشركة الجديدة. ورغم أن حوالي 60 شركة سحبت ملف الصفقة، إلا أن شركتين فقط تقدمتا بملف المشاركة والتنافس، لتصبح الكرة الآن في ملعب مؤسسة “ارتقاء” للإعلان عن موعد فتح الأظرفة واختيار الشركة الفائزة، وهي عملية قد تتجاوز 15 يوماً لدراسة الملفات التقنية والمالية.
إن السرد التسلسلي للأحداث يكشف عن تحديات إجرائية ولوجستية لا يمكن إغفالها. فبالإضافة إلى انتظار التوصل بالحافلات، هناك ضرورة لإتمام أشغال المرأب ومنح الشركة الجديدة فرصة كافية للإعداد. وفي صلب هذه التحديات، تبرز قضية الموظفين القدامى، حيث يشدد الرأي العام على ضرورة تشغيل كل المعنيين القدامى في مختلف مواقعهم وإنصافهم بكامل حقوقهم، كجزء لا يتجزأ من المسؤولية الاجتماعية للمشروع الجديد.وحتى لا تتكرر فضيحة أوزون الشاوية التي تسببت في تشريد أزيد من 30 عائلة.
فعلى صعيد التغطية، وكما توصلنا به تم تحديد ثمانية خطوط للنقل، خمسة منها كانت موجودة سابقاً وثلاثة خطوط جديدة ستضاف. الخطوط الخمسة السابقة هي :
- بنسليمان/المحمدية (سيمتد إلى محطة القطار).
- بنسليمان/بوزنيقة (سيمتد إلى الشراط).
- بوزنيقة/المحمدية عبر الطريق الساحلية.
- بوزنيقة/المحمدية عبر الطريق الوطنية رقم واحد.
- بوزنيقة (حي السلام) /الشراط.
أما الخطوط الثلاثة الجديدة فهي :
- بنسليمان/الفضالات.
- بنسليمان/عين تيزغة.
- بنسليمان/الزيايدة.
هذا التوسع في الخطوط، الذي يشمل تمديدات مهمة، يهدف إلى خدمة شريحة أوسع من الساكنة، لكنه يثير تساؤلاً جوهرياً حول مدى كفاية الأسطول الحالي.
هنا، يبرز التحدي الأكبر المتعلق بالأرقام والأخطاء السابقة. فالعقد السابق للتدبير المفوض مع شركة النقل الممتاز، والذي امتد لعشر سنوات وتحديدا من سبتمبر 2012، انتهى في 21 شتنبر 2022، وتم تمديده لمرات عديدة، تجاوزت 3 سنوات. هذا العقد كان يفرض توفير 40 حافلة عند الانطلاق في سبتمبر 2012، مع إضافة حافلتين كل سنة، ما يعني أن الأسطول كان يجب أن يتجاوز 64 حافلة حالياً. وبالمقارنة، فإن الأسطول الجديد المكون من 44 حافلة فقط، يبدو غير كافٍ على الإطلاق، خاصة مع التوسع في الخطوط إلى ثمانية، ومع التطور المرتقب للإقليم في ظل المشاريع الملكية الضخمة وكأس العالم 2030، التي تتطلب أسطولاً يتجاوز 64 حافلة بكثير لضمان الجودة والكفاءة. إن الإصرار على هذا العدد المحدود من الحافلات، وعدم مضاعفته، يهدد بتقويض جودة الخدمة قبل انطلاقها.
بالإضافة إلى ملف النقل، هناك جدال سياسي بخصوص إتجاه مؤسسة “ارتقاء” نحو توسيع خدماتها لتشمل قطاع تدبير النظافة، وهو توسع مشروط بموافقة إجماعية من الجماعات الترابية السبع. وفي هذا الصدد، أثارت الإجراءات الإدارية الأخيرة جدلاً غير مسبوق، حيث وضعت السلطات الإقليمية نقطتين في دورة استثنائية لمجالس الجماعات السبع، الأولى لتعديل القانون الأساسي للمؤسسة ومهامها، والثانية للموافقة على تفويت تدبير النظافة. ورغم موافقة المنصورية وبوزنيقة، فإن جماعة بنسليمان وجماعة عين تيزغة لم توافقا بعد. والأهم من ذلك، أن القانون واضح، لن يتم أي توسيع للخدمات بدون إجماع كل الجماعات المنضوية تحت المؤسسة. هذا التباين في المواقف يعكس تحدياً إدارياً وسياسياً يتطلب من السلطات الإقليمية والمركزية تسريع المساطر وتوحيد الرؤى لضمان المصلحة العامة، خاصة وأن النقطة الثانية تخص المدن الثلاث فقط في الوقت الحالي، في انتظار توفير باقي الجماعات للموارد المالية اللازمة لتدبير النظافة. ولن يتحقق هذا على حساب ضرب مضامين القانون التنظيمي 113.14 لا سيما المواد 83، 84 و134.
في النهاية، لابد من أن نؤكد إن مشروع تجديد النقل في بنسليمان هو خطوة إيجابية قوية نحو المستقبل، لكن نجاحه مرهون بالقدرة على استدراك الفجوات الرقمية واللوجستية. فوصول الحافلات في 27 أكتوبر 2025 هو بداية، وليس نهاية المطاف. يجب على مؤسسة “ارتقاء” والسلطات المعنية أن تضع في اعتبارها أن 44 حافلة لا تكفي لتغطية ثمانية خطوط متوسعة، ولا تتناسب مع التطلعات التنموية للإقليم. لأن المصلحة العامة تقتضي مضاعفة العدد، وفرض الجودة، وتوفير أسطول يليق بحجم التحديات والمشاريع المستقبلية، مع ضرورة إنصاف الموظفين والعمال القدامى، وتجاوز العقبات الإدارية لضمان الإجماع على توسيع خدمات مؤسسة “إرتقاء”. لان الرهان اليوم هو على الإرادة الحقيقية لتحويل الأرقام المحدودة إلى واقع خدمي شامل ومستدام.