
المصطفى الجوي – موطني نيوز
ليست خطبة الجمعة الموحدة ليوم غذ التي اختارت موضوع “الرسول صلى الله عليه وسلم مربياً ومعلماً” مجرد وقفة احتفائية في رحاب المولد النبوي، ولا مناسبة لعرض فضائل محفوظة عن السيرة العطرة. إنها، في جوهرها، دعوة صريحة إلى إعادة ترتيب الأولويات، لا نهضة بلا علم، ولا علم بلا تربية، ولا تربية تستقيم من دون قدوة تُحوِّل القيم من كلمات تُقال إلى سلوك يُرى ويُمارس.
وتكتسب هذه الرسالة دلالتها الأعمق من تزامنها مع بداية الموسم الدراسي؛ إذ تضع المدرسة والأسرة والمجتمع أمام سؤال لا يحتمل التأجيل : “أي إنسان نريد أن نصنع بالمعرفة؟” فالتعليم الذي يكتفي بتكديس المعلومات قد ينتج حافظين، لكنه لا ينتج بالضرورة مواطنين مسؤولين. أما التربية التي تستلهم الهدي النبوي، فتجعل من العلم طريقاً إلى تزكية النفس، وإتقان العمل، واحترام الآخر، وخدمة الوطن.
من اللافت أن أول خطاب نزل على النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بالأمر بالقراءة : “اقرأ باسم ربك الذي خلق”. لم تكن القراءة هنا فعلاً تقنياً معزولاً عن الإنسان، بل كانت بداية مشروع متكامل لتحرير العقل من الجهل، وربط المعرفة بالمسؤولية، والعلم بالأخلاق. ولذلك اقترنت الإشارة إلى القلم بتعليم الإنسان ما لم يكن يعلم، في إعلان واضح أن بناء الأمم يبدأ من بناء الإنسان القادر على الفهم، والسؤال، والتمييز، والإبداع.
وتؤكد الخطبة اليوم أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقف عند حدود تبليغ الأحكام، بل جمعت بين تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب والحكمة. وهذا الجمع هو ما نفتقده حين نفصل التعليم عن القيم، أو نضع التربية في هامش العملية التعليمية، أو نختزل النجاح في نقطة أو شهادة أو ترتيب. فالمعرفة، من منظور الرسالة النبوية، ليست زينة ذهنية، وإنما أمانة ومسؤولية وأثر في السلوك العام.
لقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، خلال ثلاث وعشرين سنة، أن ينقل أمة من ظلمات الجاهلية إلى فضاء جديد في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق. ولم يكن ذلك بالخطاب المجرد وحده، بل بمنهج تربوي متدرج، يراعي أحوال الناس، ويخاطب عقولهم وقلوبهم، ويمنحهم القدرة على تحويل الإيمان إلى ممارسة يومية. هنا تكمن قوة النموذج النبوي، إنه لا يربي الإنسان على حفظ الإجابة فقط، بل على امتلاك البوصلة التي تهديه عندما تتعدد الأسئلة وتشتد الفتن.
تقدم كذلك خطبة الجمعة يوم غذ قصة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مثالاً بليغاً على هذا المنهج. فقد اغتنم النبي صلى الله عليه وسلم لحظة عابرة، وهو غلام يركب خلفه، ليغرس فيه معاني التوحيد، والتوكل، والاعتماد على الله، والوعي بحدود قدرة الناس. لم ينتظر درساً رسمياً، ولا مجلساً معداً سلفاً؛ لأن التربية، في التصور النبوي، لا تُحصر في جدران الفصل ولا في ساعات المقرر.
هذه الواقعة تقول للآباء والمعلمين والمربين إن أعظم الدروس قد تولد من لحظة إنصات، أو كلمة تشجيع، أو تصحيح هادئ، أو ابتسامة في وقت يحتاج فيها الطفل إلى الأمان أكثر من حاجته إلى التوبيخ. وتقول كذلك إن شخصية المربي تسبق كلامه؛ فالناشئة يتعلمون مما نفعله بقدر ما يتعلمون مما نقوله، وربما كان أثر السلوك فيهم أعمق من أثر الموعظة.
ولذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم معلماً عن بُعد، بل كان قدوة حاضرة، يعلّم بالقول والفعل، بالتشجيع والتصحيح، بالرفق والإغضاء، وفي المسجد والبيت والسفر والحضر. إن هذا الاتساع في مفهوم التعليم يحمّل كل فرد مسؤولية تربوية بحسب موقعه؛ فالأب والأم يربيان، والأستاذ يربي، والإمام يربي، والإعلامي يربي، وصانع المحتوى يربي، حتى حين لا يعلن أحد منهم أنه يمارس التربية.
تتجاوز الخطبة، في إشارتها إلى وسائل التواصل، نقد إضاعة الوقت إلى قضية أعمق تتعلق بإدارة الانتباه وصناعة الوعي. فالزمن الرقمي لا يسرق ساعاتنا فقط، بل ينافس المدرسة والأسرة والمسجد في تشكيل الذوق واللغة والمرجعيات. وإذا تركنا أبناءنا وحدهم أمام تدفق المحتوى، فإننا لا نكون قد منحناهم حرية الاختيار، بل نكون قد تخلينا عن واجب التوجيه.
المطلوب ليس الانغلاق على العصر ولا شيطنة التكنولوجيا، وإنما الانتقال من الاستعمال العشوائي إلى الاستعمال الرشيد. فالهاتف يمكن أن يكون نافذة على المعرفة، كما يمكن أن يتحول إلى آلة لاستنزاف الوقت والطاقة. والفارق بين الوجهين تصنعه التربية، هل نعلّم أبناءنا كيف يختارون؟ كيف يتحققون؟ كيف يحترمون خصوصية الآخرين؟ وكيف يميزون بين ما ينفع وما يثير ويضلل؟
هنا تستعيد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعليم معناها الراهن. فالمعلم اليوم لا يواجه جهلاً تقليدياً فحسب، بل يواجه فائضاً من المعلومات، وتدفقاً من الآراء، وتضخماً في الادعاءات. ومن ثم أصبح واجبه أن يعلّم المتعلم كيف يفكر، لا أن يملأ ذاكرته فقط؛ وأن يربيه على الأمانة العلمية، والحوار، والانضباط، والقدرة على التثبت قبل النشر والحكم بتكفير الناس ووضع السيف على رقابهم لترهيبهم.
إن استلهام الرسول صلى الله عليه وسلم مربياً ومعلماً لا ينبغي أن يبقى شعاراً موسمياً. قيمته الحقيقية تظهر حين تتحول الأسرة إلى فضاء للإنصات لا للخوف، والمدرسة إلى مجال للمعرفة والإنصاف لا للعقاب وحده، والمنبر إلى مصدر للوعي والسكينة لا إلى تكرار منفصل عن أسئلة الناس و التحريض على القتل و التكفير. كما تظهر حين يدرك كل صاحب تأثير أن الكلمة أمانة، وأن القدوة مسؤولية، وأن تعليم الخير لا يكون بالقول وحده.
ولعل أقوى ما في هذه الخطبة التي عممت على كل أئمة المملكة المغربية الشريفة أنها ترد الاعتبار إلى فكرة طالما أُسيء فهمها : “التربية ليست وظيفة فئة محددة، بل مسؤولية جماعية”. إن المجتمع الذي يريد حماية شبابه من العنف والتطرف والانحراف وإدمان الشاشات لا يكتفي بإصدار التحذيرات و التهديدات و التخوين و التكفير؛ بل يبني بدائل من المعرفة، والرياضة، والفن، والعمل التطوعي، والحوار، ويمنح الناشئة نماذج حية يرون فيها معنى النجاح والكرامة وخدمة الناس.
إن الوفاء للنبي صلى الله عليه وسلم لا يقاس بكثرة الاحتفال بذكرى مولده فحسب ولا بطرح سؤال عقيم : هل النبي أمي أم لا؟، بل بقدر ما نحسن تمثل منهجه النبوي في التعليم والتربية كما جاء في الآية الثانية من سورة الجمعة ﴿هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ﴾. فمن أراد أن ينصر رسالته، فليجعل بيته مدرسة رحيمة، وقسمه فضاء للعدل، وكلمته باباً إلى الخير، وحضوره قدوة لا عبئاً. تلك هي القراءة الحقيقية لخطبة الجمعة اليوم، أن نخرج منها لا بإعجاب عابر، بل بعهد عملي على أن نعلّم ما ينفع، ونربي بما يرفع، ونبني إنساناً يعرف ربه، ويحترم وطنه، ويصون كرامة غيره.
وفي زمن تتسابق فيه الأصوات على استقطاب العقول، تظل التربية النبوية أقدر على استعادة المعنى، علمٌ يهدي، وخلقٌ يحمي، وقدوةٌ تقنع. وما أحوج المغرب، وهو يراهن على المدرسة والإنسان، إلى أن يجعل من هذا الثلاثي أساساً متجدداً لعقده الاجتماعي ومستقبله الوطني.