
بوشتى المريني – موطني نيوز
بهذه الجملة الموجزة يمكن تلخيص جوهر الأزمة التي تعيشها الساحة السياسية الوطنية، والتي تجلّت بوضوح في سلوك بعض الأحزاب، ذلك السلوك الذي يتناقض مع خطاب الدولة المؤسساتي القائم على مبادئ القانون والكفاءة والنزاهة.
والمفارقة الصادمة أن نجد هذه الأحزاب، على منصات التواصل الاجتماعي وفي لقاءاتها الحزبية، ترفع شعارات تخليق الحياة العامة وتربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما تعمل، خلف الكواليس، على توزيع التزكيات على من لا علاقة لهم بالتخليق ولا بالكفاءة، وفق معيار وحيد: “هل يضمن لنا الفوز بالمقعد؟”. فلا يهم إن كان المتقدم تاجر مخدرات، أو من باع وطنه في صفقة مشبوهة أمس. وهنا يتحول المقعد من أمانة إلى غنيمة حرب، لا أكثر ولا أقل.
وفي مواسم الانتخابات، يتجلى هذا المشهد أكثر: الكل يركض، يتزاحم، ويحسب الأمور بميزان الربح والخسارة. فمن فاز قال: “غنمت الدائرة”، ومن خسر قال: “سلبوني حقي”. ببساطة، الغنيمة لا تسأل عن الأهلية، بل هي لمن سبق وانتهز الفرصة.
ولهذا نجد اليوم من وصل إلى المسؤولية، عبر المقعد، من لا يفرق بين الميزانية العمومية للدولة ودفتر حساباته الخاص. لأن من دخل بمنطق “الغنيمة” سيخرج بمنطق “التعويض”. والأمانة، في المقابل، هي النقيض التام للغنيمة: الغنيمة تسعى إلى الأخذ والاستفادة، بينما الأمانة تسعى إلى العطاء والتقديم. وهذا هو الفرق الجوهري بين من جاء “ليأخذ” ومن جاء “ليعطي”.
وهذا ما يؤكد القاعدة الذهبية: “من لا يفهم الفرق لا يستحق أن يتحدث باسم الدولة”. فالمشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الضمير. فكيف لشخص دخل السياسة بمنطق المقاولة أن يدافع عن “دولة المؤسسات”؟ وكيف لمن اشترى التزكية بماله أن يطالب بتخليق الحياة العامة؟ وكيف لمن خان الأمانة في الصغير أن نأتمنه على الكبير؟
الدولة ليست خطابات تُلقى، الدولة سلوك يومي يُمارس في مكتب، وفي شارع، وفي قرار. ومن يحوّل المقعد إلى صفقة، والناخب إلى زبون، والمال العام إلى رصيد شخصي، لا يمثل الدولة، بل يشكل خطراً عليها.