بنسليمان : حيث تتحول الأفراح والأحزان إلى بورصة شراء الذمم قبل يوم الاقتراع

فساد الانتخابات في إقليم بنسليمان
فساد الانتخابات في إقليم بنسليمان

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في مدينة بنسليمان، لم يعد الأمر يحتاج إلى صناديق الاقتراع أو فرز الأصوات، فالشعب المغربي “الطيب” بطبعه قد وجد حلولاً عبقرية لمشكلة الديمقراطية ببساطة، لماذا نعقد الأمور ببطاقات انتخابية ووعود برلمانية ناهيكم عن برامج انتخابية، في حين يمكننا شراء الذمم نقداً وبشكل مباشر؟ حيث تحوّلت مناسبات الفرح والحزن في المدينة مؤخراً إلى منصّات انتخابية مفتوحة، حيث باتت محافل العرس والعزاء مسرحاً لتوزيع “الريالات”، وفق تعريفة صارخة لا تقل عن 1000 درهم لكل مناسبة، حسب ما توصلنا إليه من مصادر “موطني نيوز”. لم يعد الكرم مجرد عادة اجتماعية حميدة، بل تحول إلى دافع انتخابي محسوب وممنهج، مما يعني أننا نستعد لانتخابات محلية وإقليمية ملوّثة بعمق، حتى قبل أن نصل إلى يوم الاقتراع!

ما يحدث في بنسليمان هو أكثر من مجرد إسراف أو بذخ؛ إنه استثمار ممنهج في الولاءات المؤقتة، والتي، لنكن صرحاء، لا تدوم أكثر من مرة كل خمسة أعوام. إنه استغلال فاضح للهشاشة الاجتماعية ولحاجات الناس، حيث يتم التسلل إلى قلوبهم في أحلك لحظات حياتهم أو في أسعدها. حين يصبح الضياع الأخلاقي مبرراً تحت مسمّى “الكرم الحاتمي”، فإن ما نراه في الحقيقة ليس سخاءً أو نبل خُلُق، بل هو فساد مُمول بأموال طائلة، يتم في غياب أي رقابة قبلية تذكر. النتيجة واضحة جداً، نحن نمهد الطريق لانتخابات قد تكون الأسوأ على مستوى النزاهة المحلية، حيث يتحول الناخب إلى سلعة تتداول في الأسواق السوداء للولاء.

إن التلاعب بمشاعر الناس وتحويل صندوق الاقتراع إلى صندوق نقود هو جريمة بحق الديمقراطية، وليس أمراً عابراً. تداول المعلومات بأن المرشحين وأعوانهم يدفعون مبالغ ثابتة لقاء حضور المناسبات أو للحصول على ولاءات يصيب العملية الانتخابية في مقتل. فالحملة الانتخابية الحقيقية لا تُقاس بالأيام التي يتم فيها توزيع النقود بالجملة والتقسيط، بل تُقاس بقوة الأفكار والمشاريع، وببرنامج يقنع المواطن العقلاني ولا يشتري ولاءه بألف درهم. للأسف، في بنسليمان، يبدو أن العقلانية قد غابت، وحل محلها منطق “الكاش”، بعد أن استحوذ عليها “الفراقشية”.

نحتاج الآن، وبسرعة فائقة قبل أن فوات الأوان، إلى إجراءات واضحة ومعلنة لوقف هذا العبث. نحتاج إلى مراقبة صارمة للحملات الانتخابية السابقة لآوانها والتي باتت تخلق لها مناسبات متعددة، وكشف علني عن مصادر تمويل المرشحين الذين يبدون أكثر ثراءً من السلاطين. نحتاج إلى منع توزيع الأموال خلال فترات الحملة، وإنشاء آليات سريعة للتبليغ وحماية الشهود الذين يجرؤون على مواجهة هذا الفساد. كما يجب تحريك متابعات قضائية حين يثبت شراء الأصوات، فالمواطن لا يُشترى ولا يُباع، وهو ليس بضاعة في سوق النخاسة السياسية.

إذا كان ثمّة مَن يظن أن المال يشتري كل شيء في بنسليمان، فليعلم أن العواقب ستكون طويلة الأمد، تآكل الثقة في المؤسسات، تهميش الفئات الأكثر كفاءة وقدرة، واستبدال البرامج الانتخابية بالمآدب والولائم. الانتخابات هي اختبار حقيقي لمستوى نضج المجتمع ومؤسساته، وإذا ظل ملف تمويل الحملات دون ضوابط فعالة، وإذا استمرت المناسبات الاجتماعية تُستغَل كقنوات لنشر النفوذ الانتخابي، فسيدخل المشهد المحلي مرحلة من الانهيار الأخلاقي والسياسي يصعب الخروج منها. فالصحافة الجادة والمستقلة ستتابع، والناس لن ينسوا، والذاكرة الانتخابية تبقى شاهدة على من بنى فوزه على المال، ومن سعى لبنائه على الرأي والعمل. ومدينة بنسليمان والاقليم دليل واضح على همجية الاغتصاب الذي طالهما لعقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!