
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
لم أكن أتصور يوماً أن الهيئة التي أُنشئت لتحمي كرامة الصحافيين وتصون أخلاقيات المهنة ستتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات ومشنقة رمزية تُنصب لكل صوت حر يرفض الخضوع. لقد وقفنا اليوم، بل كنا شاهدين ، على مسرحية هزلية أبطالها أعضاء في لجنة الأخلاقيات والقضايا التأديبية بالمجلس الوطني للصحافة سابقا، وهي المسرحية التي كشف فصولها المخزية تسجيل مسرّب من داخل اجتماعهم السري، ليُظهر للرأي العام حقيقة ما يُحاك في الظلام وخلف الأبواب المغلقة.
لقد وجد الصحفي حميد المهداوي نفسه أمام محكمة تفتيش لا علاقة لها بأخلاقيات المهنة، بل هي أقرب إلى تجمّع غايته الانتقام وتكميم الأفواه. ففي تلك القاعة التي يُفترض أن تكون منارة للنزاهة والحياد، سمعنا بأذنينا ورأينا بأعيننا كيف تحولت المداولات إلى حفلة من السباب والكلمات النابية الساقطة والتحريض الصريح ضد صحفي مهني وضد هيئة دفاعه. لم يكن النقاش مهنياً، بل كان استعراضاً للقوة والنفوذ، حيث تم التلويح بأسماء وازنة في السلطة القضائية في محاولة سافرة للتأثير على القضاء والتباهي بعلاقات مزعومة مع رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية. لقد تجرؤوا على ما هو أبعد من صلاحياتهم، وناقشوا كيفية التأثير على مسار قضائي قائم، في انتهاك صارخ لمبدأ استقلال السلطات الذي يكفله الدستور.
إن ما دار في ذلك الاجتماع لم يكن مجرد مخالفة أخلاقية، بل جريمة مكتملة الأركان. لقد خططوا بدم بارد لـ “إعدام مهني” عبر اقتراح أقصى العقوبات الممكنة، مثل سحب بطاقة الصحافة المهنية لمدة سنة، وحرمان من أي دعم عمومي لثلاث سنوات. لم تكن هذه الإجراءات تهدف إلى تقويم اعوجاج مهني مزعوم، بل كانت تهدف إلى قتل صحفي رمزياً ومادياً، وإسكات صوته إلى الأبد. لقد تحولت لجنة الأخلاقيات، التي من المفترض أن تكون “حارسة المعبد”، إلى أداة للقمع وتصفية الحسابات مع كل من يجرؤ على الاختلاف.
لقد قرر حميد المهداوي نشر ذلك التسجيل، ليس من باب التشهير، بل خدمةً للمصلحة العامة وكشفاً للحقيقة التي حاولوا إخفاءها. كان من واجبه كصحفي أن يضع الرأي العام أمام هذه الخروقات الجسيمة التي لا تمس قضيته الشخصية فحسب، بل تهدد مستقبل مهنة الصحافة برمتها وتقوّض الثقة في مؤسسات التنظيم الذاتي. فكيف يمكن لجسد يدّعي حماية المهنة أن يمارس هذا المستوى من الفساد الأخلاقي والتحريض على الكراهية؟ وكيف لرئيس لجنة الطعن أن “يجفف” بهيئة المحاماة الأرض؟ من يكون هذا الشخص؟ ومن اين له بكل هذه السلطة حتى يتجرأ ويهين هيئة محترمة وطنيا ودوليا؟!
لقد أثارت هذه الفضيحة موجة واسعة من ردود الفعل، حيث أصدر أكثر من 100 صحافي بياناً يدينون فيه هذه الممارسات ويطالبون بحل المجلس الوطني للصحافة وعزل من تأمروا على اعدام المهداوي أو كما قالت صاحبة الجائزة الوطنية للصحافة “نرزيوه”. كما دخلت هيئات المحامين على الخط، معلنةً عزمها اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لصون كرامة المهنة التي أُهينت داخل تلك الجلسة. هذه المواقف الشجاعة تؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس لأزمة عميقة داخل مؤسسة فقدت بوصلتها الأخلاقية. واعماها غرورها ونفوذها المكتسب حتى باتت تنعت المحامون بأقبح الأوصاف.
إن هذه المعركة ليست معركة حميد المهداوي وحده، بل هي معركة كل صحافي حر في هذا الوطن. هي معركة من أجل أن تبقى الصحافة سلطة رابعة حقيقية، لا أداة في يد من يريدون تحويلها إلى بوق للدعاية وتصفية الحسابات تحت شعار “Un Petit mot”. إن ما حدث داخل المجلس الوطني للصحافة المنتهية صلاحيته يجب أن يكون جرس إنذار لنا جميعاً، ودعوة صريحة لفتح تحقيق قضائي نزيه وشفاف لمحاسبة كل من تورط في هذه المؤامرة الدنيئة. فإكرام “الثقة” الميتة التي تسببت فيها هذه اللجنة، يبدأ بدفن ممارساتها المشينة إلى الأبد.