مسار التحول الاستراتيجي بين المغرب وصندوق النقد الدولي من “ضمانات السداد” إلى “شهادة الثقة”

فوزي لقجع ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

لا يمكن قراءة العلاقة بين المغرب وصندوق النقد الدولي بمنظور أحادي يختزلها في معادلة الدائن والمدين، بل هي شراكة هيكلية متطورة ومعقدة، تحكمها توازنات دقيقة بين ضرورة الحصول على التمويل ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي العميق. فالمغرب، بصفته عضواً فاعلاً في هذا “الصندوق التعاوني” العالمي الذي يضم دولة، يمتلك حصة محددة تترجم قوته التصويتية وتحدد سقف اقتراضه، وهي الحصة التي تناهز حالياً مليار دولار، أو ما يعادل مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة. وعندما تواجه الرباط تحديات اقتصادية، كعجز في الميزانية أو ضغوط على ميزان المدفوعات، وتتقدم بطلب للحصول على دعم مالي، تبدأ الآلية الجوهرية لعمل الصندوق، وهي آلية “الشروط”.

هذه الشروط، التي غالباً ما يُساء فهمها على أنها عقابية، ينظر إليها الصندوق باعتبارها “ضمانات” أساسية لضمان قدرة الدولة العضو على السداد واستعادة توازنها المالي، وتأخذ هذه الضمانات شكل “برنامج إصلاح اقتصادي” متكامل. في الحالة المغربية، تُرجمت هذه “الروشتة” إلى تبني الحكومة لسلسلة من الإجراءات الهيكلية العميقة، والتي يتوافق جزء كبير منها مع الرؤية الاقتصادية للصندوق وتوجهات المملكة. ويأتي على رأس هذه الإصلاحات، وأكثرها حساسية على المستوى الاجتماعي، ملف الإصلاح التدريجي لـ “صندوق المقاصة”، بما يعنيه ذلك من رفع تدريجي ومدروس للدعم عن مواد أساسية، خصوصاً غاز البوتان والسكر.

ولأن هذا الإجراء يحمل في طياته صدمة حتمية على القوة الشرائية للأسر الهشة، فقد تمت موازاته بإجراء مصاحب ومركزي، يتمثل في إطلاق برنامج “الدعم الاجتماعي المباشر”، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً واضحاً من منطق الدعم المعمم، الذي كان مكلفاً وغير دقيق في استهدافه، إلى منطق الدعم الموجه للفئات المستحقة، وهو الخيار الأكثر كفاءة واستدامة. ولم يقتصر برنامج الإصلاح المتفق عليه على جانب النفقات فقط، بل امتد ليلامس ضرورة تعزيز “الإيرادات” العمومية عبر الدفع بإصلاح ضريبي شامل يهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية وتحقيق قدر أكبر من العدالة الجبائية، بالتوازي مع الاستمرار في نهج “مرونة سعر صرف الدرهم”، وهو الإجراء الذي أثبت فعاليته في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الاقتصادية الخارجية وتقلبات الأسواق الدولية.

إن الالتزام المغربي الثابت بهذه الأجندة الإصلاحية، ونجاحه المتوازي في الحفاظ على مستوى آمن ومريح من “احتياطيات النقد الأجنبي”، هو ما نقل العلاقة مع صندوق النقد الدولي إلى مستوى متقدم جداً من الثقة المتبادلة. الدليل الأبرز والملموس على هذا الارتقاء في التصنيف هو حصول المغرب على “خط الائتمان المرن” (FCL) بقيمة ضخمة تبلغ مليارات دولار؛ هذا الخط لا يمثل قرضاً اضطرارياً أو تمويلاً بشروط جديدة، بل هو “خط ائتمان وقائي” بامتياز، لا يُمنح إلا للدول التي أثبتت امتلاكها لأساسات اقتصادية كلية قوية وسجلات حافلة في تنفيذ السياسات السليمة.

وتكمن أهميته الاستثنائية في كونه يتيح للمملكة السحب منه عند الحاجة لمواجهة أي صدمات خارجية محتملة، دون الخضوع لأي شروط إضافية أو مفاوضات جديدة، مما يمثل شهادة ثقة دولية صريحة في متانة المسار الاقتصادي المغربي وقدرته على مواصلة الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!