
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في مشهد سياسي مغربي يُروى له منذ ما يُقارب ثلاثة وثلاثون حكومة تناوبت على السلطة، يُطرح سؤال مؤرق لا يكف عن العودة إلى واجهة النقاش العام : إلى متى ستستمر معاناة الشعب المغربي مع هذا التعاقب المستمر للحكومات؟ سنسلط ضوءاً قاسياً على هذه الإشكالية، مُستعرضاً مساراً سياسياً شهد تولي حكومات بتوجهات أيديولوجية شتى؛ من يسارية وليبرالية إلى إسلامية ومحافظة وتكنوقراطية، وكلها مرّت على المشهد المغربي دون أن تُحدث تغييراً جوهرياً في واقع المواطن الذي يظل رهيناً لظروف معيشية لا تُحسد عليها، منذ تولي السيد البكاي بن مبارك الهبيل أول حكومة التي تم تعينها بتاريخ 07 ديسمبر 1955 إبان الفترة الانتقالية قبل الاستقلال الكامل و حتى حكومة عزيز أخنوش.
و حتى نكون منصفين و لا نعود إلى الوراء كثيرا سنكتفي بعهد التناوب، لقد تعاقب على منصب رئاسة الحكومة منذ عام 1998 ستة رؤساء حكومات من خلفيات حزبية وسياسية مختلفة، بدءاً بعبد الرحمن اليوسفي رحمه الله الذي قاد حكومة التناوب التوافقي بشعار “البديل الديمقراطي”، ثم إدريس جطو الذي أُتي به كرجل تكنوقراطي يحمل رؤية اقتصادية بحتة، فعباس الفاسي عن حزب الاستقلال الذي وعد بمحاربة الفقر والتهميش، ثم عبد الإله بنكيران الذي صعد على موجة الربيع العربي بشعارات إسلامية واعدة، فسعد الدين العثماني الذي ورث الإرث البنكيراني، وصولاً إلى عزيز أخنوش الذي جاء ممثلاً لحزب التجمع الوطني للأحرار بحملة انتخابية كاسحة. ورغم هذا التنوع الأيديولوجي الذي قد يوحي بتعدد المقاربات والرؤى، تبقى الحقيقة المُرّة أن حالة المغاربة لم تتغير لا في المظهر و لا في الجوهر. فالصحة لا تزال منظومةً منهكةً لا تكفي لسد الثغرات، والشغل يظل حلماً يراود ملايين الشباب العاطلين عن العمل أخرها نسبة 13 بالمائة التي اعلن عنها والي بنك المغرب، والسكن يشكّل معضلةً حقيقيةً للأسر المغربية التي تعجز عن تملك مسكن لائق رغم تصريحات وزيرة الاسكان المجانبة للصواب و الحقيقة بإعلانها أن جل الشباب أقل من 30 سنة باتو يمتلكون شققا، والتعليم لم يخرج من دوامة الإخفاق رغم كثرة الإصلاحات و “النمدجة” وكارثة مقررات المرسة الرائدة، والرفاهية والكرامة الإنسانية لا تزالان سؤالين مفتوحين في وجه كل حكومة تُشكّل. أما عن الحقوق و الحريات فحدث و لا حرج ففي عهد اخر حكومة بات ينكل بالصحافة الجادة وتكافأ التافهة و الامثلة كثيرة.
ما يُثير الاستغراب في هذا المسار ليس غياب الإنجازات تماماً، بل المفارقة الصارخة بين ما تُنتجه هذه الحكومات على صعيد البنية التحتية وما تُخلفه على مستوى حياة المواطن اليومية. فلا أحد يُجحد أن المغرب شهد تحولات عمرانية وهندسية لافتة، من طرق سريعة وأقطاب اقتصادية وبنى تحتية حديثة، لكن السؤال الجوهري الذي أطرحه شخصيا بقوّة هو : أين أثر كل هذا في حياة المغاربة الخاصة؟ أين انعكاس هذه السياسات العمومية على القدرة الشرائية للأسرة المغربية؟ أين التحسن في جودة الخدمات التي يحصل عليها المواطن البسيط من تعليم وصحة وسكن و العيش الكريم، يامن تطالبون بحياة كريمة للكلاب؟ إن ما يُقدم للمغاربة اليوم، في نظر الكثيرين، ليس سوى وعود وإشارات براقة، تُكرر نفس الخطاب القديم بأن الغد سيكون أفضل من الأمس، في حين أن الواقع الميداني يروي قصة مختلفة تماماً.
إن ما يُعمّق هذه الأزمة هو أن كل حكومة تُشكّل تحمل معها آمالاً جديدة، وتُطلق وعوداً جديدة، وتُقدم برامج جديدة، لكن النتيجة النهائية تظل واحدة : استمرار المعاناة وتجدد الإحباط. فمغاربة اليوم لا يرون أي أثر ملموس لهذه السياسات العمومية في حياتهم الخاصة وفي معيشتهم، وهو ما يُغذي شعوراً متنامياً بالعزوف السياسي وبفقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة. وهذا العزوف ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير موضوعي عن أزمة حوكمة حقيقية تُفرز حكومات لا تُحدث فارقاً حقيقياً في حياة الناس، بغض النظر عن ألوانها السياسية ومرجعياتها الأيديولوجية.
وهنا يبرز الدور المطلوب من الدولة المغربية، ليس كمجرد كيان إداري يتولى التسيير اليومي للشأن العام، بل كفاعل رئيسي مُلزم دستورياً بتغيير مسار هذه الحياة السياسية وتوجيهها نحو نتائج ملموسة. إن المسؤولية الدستورية تقتضي أن تتدخل الدولة بقوّة لإصلاح مسار الحكامة العامة، وأن تضمن أن تصل السياسات العمومية إلى المواطن في أبسط تفاصيل حياته. فاللحظة الراهنة تُمثل مفصلاً تاريخياً في المسار السياسي المغربي، لحظة تتجاوز فيها التحديات الأبعاد التقليدية لتطال أسس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
إن ما تُكشف عنه هذه القراءة النقدية للزمن السياسي المغربي هو فشل جوهري في المنظومة الحزبية والسياسية، حيث لم تعد الأحزاب تُقدم بدائل حقيقية، بل أصبحت عبارة عن أدوات للترتيب السياسي، تتبادل الأدوار دون أن تُقدم رؤية إصلاحية عميقة. فالحكومات تتغير والوجوه تتبدل نسبيا، لكن المعاناة تبقى ثابتة، وكأنها قدر مكتوب على المواطن المغربي أن يتحمل ثمن هذا التناوب دون أن يلمس ثمرة واحدة من ثمراته. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم ليس في اختيار الحكومة التالية، بل في كسر حلقة تكرار الوعود الفارغة وبناء منظومة حوكمة حقيقية تضع المواطن في صلب أولوياتها، وليس في هامشها كما هو حاصل منذ عقود. ليبقى السؤال الذي يتكرر صداه و لا من مجيب هو : ما الدليل على أن الحكومة المقبلة ستكون مختلفة عن الحكومات السابقة؟ وهل سيرى المغاربة النور في آخر النفق؟