
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في مشهد لافت غير مألوف في عالم الدبلوماسية، تداول مغاربة مقيمون في تونس منشورات تعبّر عن ارتياح صريح وفرحة معلنة إزاء إعفاء قنصلهم العام من مهامه، واصفين اليوم بأنه جمع لهم “فرحتين في يوم واحد”، فرحة عيد الأضحى المبارك وفرحة التخلص من عبء ثقيل طال أمده. هذا النوع من الفرح الجماعي المُعلَن ليس ترفاً عاطفياً، بل هو شهادة شعبية قاسية في حق مسؤول أُريد لمنصبه أن يكون درعاً لمصالح مواطنيه، فإذا به يتحول في نظرهم إلى مصدر دائم لشكاواهم وأحزانهم.
تُجمع شهادات أبناء الجالية في تونس على أن السنوات الماضية اتسمت بتراكم مستمر من الإخفاقات الإدارية التي أثّرت مباشرة على حياتهم اليومية. فقد وجد كثيرون أنفسهم أمام بيروقراطية خانقة وتعقيدات لا مبرر لها في استخراج أبسط الوثائق الرسمية، في حين كان يُفترض بالقنصلية أن تكون جسراً يُيسّر لا عائقاً يُعسّر. وقد وصف أبناء الجالية مساره بأنه كان “حافلاً بالأخطاء الكارثية”، وهو وصف لا يصدر عادة إلا حين يبلغ الاحتقان مبلغه.
والأشد وطأةً في هذا الملف ما أشارت إليه الشهادات من أن هذا القنصل أسهم في تشريد عائلة مغربية بأكملها، وأنه زرع الفتن بين مكونات الجالية بدل أن يرعى تماسكها، وأن علاقته بجمعيات المجتمع المدني المغربية في تونس لم تعرف يوماً طريقها إلى الانسجام والتعاون. وهذه الاتهامات مجتمعةً، إن صحّت، ترقى إلى مستوى الإخلال الصارخ بأدنى واجبات المنصب القنصلي، الذي يقوم في جوهره على صون كرامة المواطن في الخارج وتوفير الحماية والدعم اللازمين له بعيداً عن أرضه ووطنه.
واللافت في هذه القضية أن المسؤول أُعفي من منصبه دون أن يُرافق ذلك إعلان عن تكليف جديد أو ترقية في السلك الدبلوماسي، وهو ما يُفسّره المتتبعون إشارةً ضمنية من وزارة الخارجية إلى أن الأداء لم يكن في المستوى المطلوب. بيد أن الجالية التي دفعت ثمن سنوات من التعثر والإهمال تنتظر ما هو أبعد من مجرد إبعاد هادئ بلا ضجيج؛ تنتظر اعترافاً صريحاً بما عانته، ومحاسبةً شفافة تحفظ لها ماء الوجه، وضماناتٍ حقيقية بأن هذه التجربة المُرّة لن تتكرر.
إن ما جرى في تونس ليس حادثة فردية معزولة، بل هو عَرَضٌ لإشكالية بنيوية أعمق تخص معايير اختيار الممثلين القنصليين ومدى خضوعهم للمساءلة والرقابة الفعلية. الجالية المغربية في الخارج ركيزة وطنية بامتياز، تُسهم سنوياً بمليارات التحويلات وتحمل راية المغرب في كل بقاع العالم، وتستحق في المقابل قنصليات ترقى إلى مستوى هذا العطاء، لا مكاتب تُعمّق الجراح بدل أن تُداويها. الفرحة التي أعلنها المغاربة في تونس ليست شماتةً في شخص، بل هي صرخة أمل في غدٍ قنصلي أكثر كرامةً وإنصافاً.
