
المصطفى الجوي – موطني نيوز
بصفتي صحفي يضع نصب عينيه المصلحة العامة والبحث عن الحقيقة في أحلك الأزمات، ومن خلال متابعتنا الدقيقة في “موطني نيوز” لما يروج في كواليس أسواق الماشية، نضع بين أيديكم هذا التحقيق الذي ينبش في المسكوت عنه خلف أزمة أضاحي العيد لعام 2026. إن المعلومات التي استقيناها مباشرة من أوساط “الكسابة” (مربي الماشية) ترسم صورة مغايرة تماماً لما تحاول الجهات الرسمية ترويجه، وتكشف عن ثغرات خطيرة في منظومة المراقبة الصحية التي يفترض أن يقودها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا).

لقد رصدنا في “موطني نيوز” حالة من الغليان الصامت بين “الكسابة”، الذين يؤكدون أن الواقع الميداني يتجه نحو كارثة محققة. فبينما تتغنى الوزارة الوصية بأرقام الملايين من رؤوس الأغنام، يكشف لنا المهنيون من قلب الحدث أن الندرة هي سيد الموقف، وأن حملات المقاطعة “خليه يبعبع” لم تكن سوى صرخة في وادٍ لم تؤثر على جشع المضاربين أو تخفف من وطأة الأسعار التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء. إننا نتحدث عن طبقة واسعة من المواطنين باتت عاجزة عن اقتناء أضحية حتى بـ 2500 درهم، في ظل غياب تام لأي توازن حقيقي بين العرض والطلب الوطني الذي يتجاوز بكثير تلك الشحنات المستوردة الهزيلة التي لم تتعدَّ 600 ألف رأس.

إن الأخطر في هذه الشهادات التي جمعناها، هو التحذير الصريح من عودة ظاهرة “إخضرار اللحوم” وبقوة هذا العام. الكسابة الذين تحدثنا إليهم يضعون أصابع الاتهام مباشرة نحو غياب المراقبة اللصيقة من طرف مصالح “أونسا”. ففي ظل ضيق ذات اليد، يضطر العديد من المربين إلى إخراج قطعانهم من المراعي الحرة (السرحة) مباشرة إلى الأسواق دون إخضاعها لبروتوكولات التسمين المراقبة أو التلقيحات الضرورية ضد بكتيريا الكلوستريديوم (Clostridium). هذه البكتيريا، التي تنشط في ظل الحرارة المرتفعة المتزامنة مع توقيت العيد، تجد في الأغنام غير الملقحة بيئة خصبة لإفساد اللحوم فور ذبحها، مما يهدد بصدمة صحية واجتماعية للمغاربة، وأنا شخصيا إشتريت كبش العيد بدون ترقيم أي أنه غير خاضع للمراقبة وما أكثرهم.

إن ما كشفه لنا “الكسابة” يفضح المستور وراء جدران المكاتب المكيفة؛ حيث تغيب المراقبة الميدانية الحقيقية في الأسواق الأسبوعية والضيعات البعيدة، مما يفتح الباب على مصراعيه لبيع مواشٍ قد تفتقر لأدنى معايير السلامة الصحية. إن الاكتفاء بالبلاغات الرسمية المطمئنة في وقت يبيع فيه الكساب قطيعه من المرعى إلى المستهلك دون رقيب، هو تقصير لا يمكن السكوت عنه من طرف “أونسا” والجهات المسؤولة عن الأمن الغذائي للمواطنين.

بناءً على هذا التحليل الاستقصائي، نخلص في “موطني نيوز” إلى أن النتائج المترتبة على هذا الوضع ستكون وخيمة؛ ليس فقط على جيوب المغاربة، بل على ثقتهم في المؤسسات الرقابية وصحة عائلاتهم. ولتجاوز هذه الأزمة، نطرح الحلول التالية كخارطة طريق استعجالية استقيناها من أفواه الكسابة انفسهم :

أولاً، يجب على مكتب “أونسا” الخروج من مربع المراقبة الإدارية إلى المراقبة اللصيقة والميدانية، عبر تكثيف فرق التفتيش في الأسواق والضيعات للتأكد من تلقيح الأغنام القادمة من الرعي الحر “السرحة”.
ثانياً، ضرورة مراجعة سياسة الاستيراد والدعم لضمان وصولها إلى المربي الصغير الذي يشكل النواة الصلبة للقطيع الوطني، بدلاً من تركها لقمة سائغة في يد أثرياء الأزمات.
ثالثاً، إطلاق حملة وطنية شفافة للكشف عن الأرقام الحقيقية للقطيع، والاعتراف بالفجوة القائمة بدلاً من سياسة الهروب إلى الأمام التي تزيد من حدة المضاربة وتعميق الأزمة لسنة أو سنتين قادمتين.

إننا في “موطني نيوز” سنظل نتابع هذا الملف بكل أمانة، منحازين دائماً لمصلحة المواطن وحقه في معرفة الحقيقة، بعيداً عن التجميل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل أزمة تمس أقدس شعائرنا وأمننا الصحي.