
بقلم ذ.محمد كفيل – موطني نيوز
في زمنٍ كان يُفترض فيه أن تكون السياسة فنّ الحكمة، تحوّلت بعض منصاتها إلى مسرحٍ للفتوّة، حيث لا مكان للمنطق بقدر ما يُكافأ الاستعراض. يظهر الرجل البرتقالي هنا كـ“كبير الحارة” في نسخة دولية، لا يحمل عصاً هذه المرة، بل ترسانة من القرارات والتغريدات، يوزّع بها الأوامر والتهديدات وكأنه يدير زقاقاً لا عالماً معقّداً. المفارقة الساخرة أن هذا المشهد لا يُعرض في فيلم كوميدي، بل في واقعٍ يدفع ثمنه الملايين.
المثير للضحك المبكي أن البشرية، بعد أن خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية قررت أن تضع قواعد للّعبة، أن تتفق على حدّ أدنى من العقل. لكن يبدو أن “الفتوّة” لم يعجبه هذا الاتفاق، فاختار أن يعيدنا إلى منطق “أنا ومن بعدي الطوفان”. في هذا العرض العبثي، تصبح الدبلوماسية مجرد ديكور، والقانون الدولي نصاً قديماً يُقرأ في المناسبات فقط، بينما القرارات الحقيقية تُتخذ بنبرة استعلاء وكأن العالم حلبة مصارعة.
ثم نصل إلى ذروة الكوميديا السوداء: حين يُقدَّم التهديد على أنه شجاعة، والابتزاز على أنه حنكة، ودعم الحروب على أنه دفاع عن القيم. في هذا السياق، يبدو التحالف مع النتن كأنه “ثنائي فني” في عرضٍ طويل، حيث يتقاسمان الأدوار بين من يُشعل النار ومن يصفّق لها. أما الضحايا، وخصوصاً في الأوطان العربية، فهم مجرد “كومبارس” في مسرحية لا يملكون حتى حق الاعتراض
في النهاية، لا حاجة لأي حديث عن القيم في حضرة هذا المشهد؛ فحين يعتلي بلطجية العالم الجديد المنصة، يصبح القانون مجرد نكتة ثقيلة، وتتحول العدالة إلى فقرة مؤجلة في برنامجٍ لا يُبث.
هنا، لا يُقاس النفوذ بما يُبنى، بل بما يُهدَّم، ولا تُمنح الشرعية بما يُقنع، بل بما يُخيف. إنها لحظة ينقلب فيها العالم إلى حارةٍ كبيرة، يتسيّدها من يصرخ أعلى، ويضرب أقسى، بينما يقف الباقون بين متفرجٍ خائف… أو ضحيةٍ في المشهد التالي