من هي جورجيا ميلوني ؟

جورجيا ميلوني أصغر رئيسة وزراء في إيطاليا

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

تدخن السجائر منذ أن كان عمرها خمسة عشر عاماً، وقُبض على والدها وهو يهرب الحشيش. عملت نادلة وبائعة في محل خضروات، ولم تكمل تعليمها لكنها تتحدث أربع لغات. خانها شريكها فطردته من المنزل، وشعارها في الحياة : الله، الوطن، العائلة. تعارض حقوق المثليين، وتنام خمس ساعات فقط في اليوم. هذه هي قصة جورجيا ميلوني، أول رئيسة وزراء في تاريخ إيطاليا.

ولدت عام 1977، وبمجرد أن أتمت تسعة أشهر، طلق والدها والدتها وتركها وهي الابنة الكبرى، ثم غادر إيطاليا وقطع علاقته بهم تماماً. اضطرت الأم لأخذ بناتها والعودة للعيش عند أهلها، وبعد أن كنّ يسكنّ في حي راقٍ في روما، أصبحن يعشن جميعاً في شقة صغيرة؛ الأم والبنتان والجد والجدة.

اضطرت والدتها للعمل في أي مهنة لتوفير المال؛ ففي البداية كانت تنظف منازل الجيران أو تساعدهم في الخياطة مقابل مبلغ بسيط، ثم بدأت تصنع المخبوزات في المنزل وتذهب لبيعها في السوق. كما كانت تكتب قصصاً عاطفية للمجلات الشعبية باسم مستعار كي لا يعرفها أحد، لأن المجتمع كان ينظر لكتّاب هذا النوع من القصص نظرة سيئة. لكن والدتها كانت مستعدة لفعل أي شيء لتوفير الطعام والكتب المدرسية لابنتيها.

روت ميلوني في مذكراتها أنه رغم فقرهم، كانت والدتها حرصية على أن يرتدوا ملابس نظيفة وأن يقرؤوا جيداً، وكانت تشتري لهم الكتب والمجلات دائماً وتقول لهم : “التعليم هو طريق النجاة”. وعندما كبرت جورجيا قليلاً، بدأت العمل لتساعد في مصاريف المنزل؛ فعملت نادلة في مطعم، ومربية أطفال في الحي الذي يسكنون فيه، كما عملت في محل للخضروات والفواكه لفترة من الزمن. كانت الشوارع والأسواق هي مدرستها الحقيقية، حيث فهمت معنى كسب لقمة العيش بالتعب. وبسبب ظروفهم المادية وعملها، قررت التوقف عن الدراسة عند المرحلة الثانوية ولم تدخل الجامعة. وقالت في مذكراتها : “كنت أحب الدراسة، لكنني لم أستطع الإكمال لأنني كنت بحاجة للعمل لأعيش”.

ومع حياتها الصعبة، بدأت تدخين السجائر منذ سن الخامسة عشرة، وفي الفترة نفسها دخلت عالم السياسة بالصدفة؛ حين كانت تشاهد التلفاز ورأت مظاهرة لمنظمة تسمى “الحركة الاجتماعية الإيطالية”، وهي حركة يمينية، فأعجبها خطابهم، خاصة فيما يتعلق بالقومية الإيطالية والهوية الوطنية. قررت الانضمام للحركة دون إخبار والدتها، وبعد ملء استمارة العضوية بدأت نشاطها بتعليق الملصقات وتوزيع المنشورات في الشوارع. ورغم سخرية زملائها وأصدقائها، استمرت في طريقها، ويوماً بعد يوم أصبحت من أنشط وأشهر شباب الحركة وحزبها، وكانت خطاباتها النارية تجذب الجميع.

بعد فترة ترشحت للبرلمان وحققت مفاجأة بالنجاح في الانتخابات وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، لتصبح أصغر نائبة برلمانية. وبعد عامين فقط، عينها رئيس الوزراء برلسكوني وزيرة للشباب، لتكون أصغر وزيرة في تاريخ إيطاليا. وبسبب سياستها المحافظة، شن اليسار حملة كبيرة ضدها. لم تعجبها سياسة برلسكوني، فقررت الانشقاق وتأسيس حزب بمفردها باسم “إخوة إيطاليا”.

كان الحزب في البداية صغيراً جداً، وكان الناس يبتعدون عنه ويصفونه بالحزب الفاشي، لكن فجأة، وبعد أن كان يحصل على 2% فقط في الانتخابات، استطاعت جورجيا ميلوني تحقيق معجزة والانتصار في الانتخابات، حيث حصلت على 26% من مقاعد البرلمان وأصبحت الرقم واحد، ومن هنا تولت رئاسة الوزراء.

في البداية، خشي الكثيرون من أن تكون متطرفة وأن تطبق كل ما كانت تنادي به وقت المعارضة، لكنها أثبتت أنها خبيرة سياسية؛ حيث تتنازل عن بعض الأمور لمصلحة بلدها. ورغم عدائها للاتحاد الأوروبي، قررت مسايرته للحصول على الدعم المالي. وعندما غزا بوتين أوكرانيا، كانت التوقعات تشير إلى وقوفها معه كبقية اليمين المتطرف في أوروبا، أو على الأقل التزام الحياد، لكنها وقفت ضد بوتين ودعمت زيلينسكي بكل ما تستطيع سياسياً وعسكرياً، وخطفت الأضواء وتقاسمت زعامة أوروبا مع ماكرون، الذي لم يسلم منها أيضاً أيام كانت في المعارضة.

وبعد توليها الحكم، وقعت أشهر مشاجرة بينهما عندما قالت له : “أنتم تسرقون أفريقيا، ولو تركتم للأفارقة أموالهم وثرواتهم لبقوا في بلادهم وعملوا هناك، ولما كانت هناك أزمة لاجئين ومهاجرين في أوروبا”. لكن بعد عدة اجتماعات بينهما، تحسنت الكيمياء وأصبحا صديقين.

رغم مرونتها، لدى ميلوني خطوط حمراء، مثل موضوع المثليين؛ حيث رفضت تقنين زواجهم، ومنعت المرتبطين منهم من تبني الأطفال. وعندما علمت أنهم يذهبون لإجراء تلقيح صناعي خارج إيطاليا للإنجاب، أصدرت أمراً بعدم تسجيل أطفال التلقيح الصناعي وعدم منحهم شهادات ميلاد. كما أنها ضد تشريع الإجهاض أو تقنين المخدرات، وتريد إعادة عقوبة الإعدام للإرهابيين.

تعتبر ميلوني أهم عدو للاجئين والمهاجرين؛ فمنذ وصولها فرضت قيوداً شديدة ولم يعد أحد يستطيع دخول إيطاليا إلا بصعوبة بالغة، ونجحت في منع الكثير من القوارب القادمة من أفريقيا. ولمنع قوارب الهجرة غير الشرعية، توجهت إلى تونس وأعطتهم أموالاً وقروضاً مقابل ضبط الحدود، وفعلت الأمر نفسه مع ليبيا ودول أفريقية أخرى، أي أنها أوقفت الأمر من المصدر كما يقال. وعندما قالت لها المعارضة إن إيطاليا بحاجة لمهاجرين للعمل، ردت قائلة : “إذا كنا بحاجة، فلا يكن من أفريقيا ولا يكن من المسلمين، لنحافظ على هوية إيطاليا”. وبالفعل تراجعت الهجرة في عهدها بنسبة 62%، ومن يدخل بشكل غير شرعي يُقبض عليه ويُرحل فوراً، فهم لا يملكون رحمة في هذا الملف.

على المستوى الشخصي، كانت ميلوني مرتبطة بصحفي ومقدم برامج إيطالي شهير وأنجبت منه ابنة. تعرفت عليه عندما ظهرت معه في برنامج، ثم بدأت قصة حب وعاشا في منزل واحد لمدة تسع سنوات، إلى أن نشرت قناة إيطالية تسريبات لشريكها وهو يتحرش بزميلاته في العمل ويتحدث عن علاقاته النسائية وكيف يخون ميلوني. وبمجرد انتشار التسريبات والفيديوهات، كتبت منشوراً على إنستغرام قالت له فيه : “لا أريد رؤية وجهك ثانية، ولا توجد صلة بيننا سوى ابنتنا”.

يبدو أن حظها مع الرجال كان سيئاً منذ البداية؛ فقد روت ميلوني أنها عندما بلغت الحادية عشرة من عمرها، ذهبت لوالدها لتتصالح معه وتفهم منه لماذا تركهم ورحل، لكنه عاملها بمنتهى البرود ولم يظهر أي ندم، بل كان في منتهى الجفاء، ومنذ ذلك اليوم اعتبرته ميتاً. وعندما قُبض عليه وهو يهرب الحشيش من شمال أفريقيا وسُجن في إسبانيا، لم تتأثر، ويوم وفاته لم تبكِ، وعندما سُئلت قالت : “لقد بكيت عليه كثيراً في طفولتي”.

مع حياتها العاطفية والسياسية الصعبة، لا شيء يخفف عنها سوى السيجارة، ولذلك لا تستطيع الاستغناء عنها أبداً. تستيقظ يومياً في الخامسة صباحاً، وأول ما تفعله هو شرب فنجان قهوة وتدخين سيجارة. وعندما طلبوا منها الإقلاع عن التدخين، رفضت وقالت : “إذا لم أدخن السجائر، سأقتل أي شخص يقف أمامي، لذا فتدخين السجائر أفضل”.

فبالرغم من كرهها للأفارقة و المسلمين، الا أنها تستحق أن ترفع لها القبعة. وأحترمها كثيرا باعتبارها سيدة عصامية ومحاربة قوية تستحق كل الإحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!