
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
تتوالى الأحداث بوتيرة متسارعة، وتتكشف الحقائق تباعًا، لكن السؤال الأهم يبقى : هل نرى الصورة كاملة، أم أن هناك من يوجه أنظارنا بعيدًا عن الجوهر؟ فالأحداث التي بين أيدينا تقدم رؤية صادمة، مفادها أن الفضائح الكبرى لا تختفي، بل تُدفن ببراعة تحت وطأة أحداث جلل، كالحروب، لتتحول الأنظار وتتبدل الأولويات، ويبقى الفاعلون الحقيقيون بمنأى عن المساءلة.
تشير الوقائع إلى سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي هزت الرأي العام، بدءًا من اعتقال الأمير أندرو لارتباطه بقضية إبستين، مرورًا باعتذار بيل جيتس عن علاقاته بنفس القضية، وشهادة هيلاري كلينتون وبيل كلينتون. سبعة أيام كانت كفيلة بكشف خيوط فضيحة تاريخية، كان من شأنها أن تعصف بالعديد من الشخصيات المؤثرة. ولكن، في خضم هذه الفضائح المتتالية، حدث ما هو أعظم وأكثر إثارة للقلق، اندلاع حربين في يومين متتاليين، الأولى بين باكستان وأفغانستان، والثانية بمقتل المرشد الأعلى لإيران على يد الولايات المتحدة.
هذا التزامن المريب بين تصاعد الفضائح واندلاع الحروب يثير تساؤلات جوهرية حول آليات عمل السلطة الخفية. فبينما كانت قضية إبستين تتصدر العناوين وتستحوذ على اهتمام الجميع، لتتحول الأنظار فجأة إلى جبهات القتال، وتلاشت أحاديث كلينتون وجيتس في زحام الأخبار العسكرية. هنا تكمن الفكرة المحورية التي تطرحها الأحداث : لا يمكن إخفاء الفضائح، ولكن يمكن دفنها تحت رماد الحروب، لتصبح الانفجارات هي الحدث الأبرز، وتتوارى الحقائق خلف ستار الدخان.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أبعد. ففي نفس اليوم الذي بدأت فيه حرب إيران، حصلت شركة OpenAI على عقد بمليارات الدولارات من البنتاغون. والمفارقة هنا أن بيل جيتس، الذي اعتذر قبل أيام عن علاقاته بإبستين، يمتلك جزءًا من OpenAI من خلال مايكروسوفت. هذا التحول السريع من الاعتذار عن فضيحة إلى الحصول على أكبر عقد دفاعي في التاريخ، يوضح بجلاء كيف تعمل دوائر القوة والنفوذ. إنها ليست مجرد صدفة، بل هي نمط متكرر يكشف عن قدرة النخبة على استغلال الفوضى لتحقيق مكاسب أكبر، وتثبيت أركان سلطتها.
إن ما يراه معظم الناس قصصًا إخبارية منفصلة، هو في الحقيقة عملية منسقة بعناية فائقة. فالنخبة تسيطر على الإعلام، وتوجه السياسة الخارجية، وتحدد من يتم فضحه ومن يتم حمايته. إنها شبكة معقدة من المصالح المتشابكة، حيث لا شيء يحدث بالصدفة، وكل حدث يخدم غاية معينة. وفي هذا السياق، يظل الأمير أندرو حرًا، ولا يمس أحد من النخبة بسوء، بينما تتغير العناوين وتتبدل الأحداث.
فكيف يمكن إيقاف أشخاص بهذه القوة؟ الإجابة الصادمة التي تقدمها الأحداث هي : لا يمكنك. إنهم أقوياء جدًا، ومتجذرون في مفاصل السلطة. ولكن، على الرغم من هذه الحقيقة المرة، يمكننا على الأقل رؤية النمط، وفهم آليات اللعبة، واتخاذ موقف بناءً على هذا الفهم. يجب ألا نصدق أبدًا أن الفضائح وحدها كفيلة بإسقاطهم، بل يجب أن نراقب دائمًا كيف يستخدمون الفوضى والأزمات ليصبحوا أقوى وأكثر تحصينًا. إنها دعوة إلى اليقظة والنقد المستمر، وعدم الانجرار وراء الروايات السطحية، بل البحث عن الخيوط الخفية التي تحرك الأحداث وتصنع المصائر.