ساعة الصفر المؤجلة و الصيد الثمين

المصطفى الجوي

بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في قلب المواجهة الاستخباراتية المحتدمة التي لا تعرف هوادة، تتكشف فصول جديدة من الصراع الخفي، حيث هزت طهران أنباء اغتيال شخصيتين بارزتين في النظام الإيراني، علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي، وغلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج. لم تكن هذه العملية مجرد ضربة أمنية عابرة، بل جاءت مصحوبة برواية إسرائيلية مفصلة، وصفتها وسائل إعلام عبرية نقلاً عن مسؤولين عسكريين بأنها “الأكثر دقة” منذ بدء المواجهة، كاشفة عن أبعاد استخباراتية عميقة تستهدف زرع الرعب وتقويض الثقة في منظومة الحماية الإيرانية.

تستهل الرواية الإسرائيلية تفاصيلها بما أُطلق عليه “ساعة الصفر المؤجلة”، حيث كان من المقرر تنفيذ عملية اغتيال لاريجاني ليلة الأحد، إلا أن قراراً مفاجئاً بتأجيل التنفيذ لمدة 24 ساعة صدر عن القيادة العسكرية الإسرائيلية. هذا التأجيل، الذي لم تُذكر أسبابه المعلنة، يُفسر ضمنياً في السياق الإسرائيلي بأنه كان ترقباً لـ”لحظة الصيد الثمين”، التي من شأنها أن تجمع أكثر من هدف في ضربة واحدة. هذا التكتيك، إن صح، يشير إلى مستوى عالٍ من التخطيط الاستخباراتي والقدرة على التكيف مع المتغيرات الميدانية، وليس مجرد استهداف فردي.

تتوالى الأحداث لتكشف عن “فخ الشقة السرية”، وهي المعلومة الذهبية التي وصلت للاستخبارات الإسرائيلية يوم الاثنين. فقد رصدت العيون الأمنية الإسرائيلية توجه لاريجاني برفقة نجله إلى إحدى الشقق السرية التي كان يستخدمها مؤخراً للاختباء بعيداً عن الأنظار. لم تكن هذه الشقة، بحسب الرواية، محصنة بما يكفي أمام الاختراق المعلوماتي الإسرائيلي، ليصدر الأمر بالتنفيذ فور دخول لاريجاني ونجله المبنى. هذه التفصيلة، التي تركز على وجود “النجل”، ليست مجرد معلومة عابرة، بل تحمل دلالات عميقة حول مدى الاختراق الأمني، وإمكانية الوصول إلى معلومات شخصية وحساسة للغاية تتعلق بتحركات كبار المسؤولين وعائلاتهم، مما يعكس شبكة تجسس متغلغلة.

لم يتوقف المشهد عند لاريجاني، بل امتد ليشمل سليماني، الذي وصفته الرواية بأنه “الهدف الملحق”. فبناءً على معلومات استخباراتية دقيقة ومباشرة، تم استهداف اجتماع عاجل لقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني في قلب العاصمة طهران. التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الضربة لم تقضِ على سليماني وحده، بل شملت عدداً كبيراً من قادة الباسيج الذين كانوا برفقته. هذا الاستهداف المزدوج، وفي توقيت متقارب، يعزز فرضية “الصيد الثمين” ويشير إلى قدرة استخباراتية على تتبع وتحديد مواقع اجتماعات حساسة لقادة عسكريين رفيعي المستوى، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية الإجراءات الأمنية الإيرانية.

يؤكد المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون أن الاستهدافات كانت “مباشرة” ونفذت وفقاً لمعلومات لحظية (Real-time)، مما يثبت، بحسبهم، أن الدوائر اللصيقة بقادة الصف الأول في إيران أصبحت مخترقة لدرجة تسمح برصد “الشقق السرية” وتحركات الأبناء. هذه الدقة الجراحية في التنفيذ، والاعتماد على معلومات آنية، لا تهدف فقط إلى تحقيق الأهداف العملياتية، بل إلى إرسال رسالة واضحة حول التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي وقدرته على الوصول إلى أعمق المستويات داخل المنظومة الإيرانية.

على العموم، تعمدت الرواية الإسرائيلية إبراز تفاصيل “الشقة السرية” و”رفقة النجل” لبعث رسالة ذعر في قلب طهران؛ مفادها أن الاختباء لم يعد ممكناً، وأن الموساد يسير خلف القادة حتى في أكثر أماكنهم خصوصية. اغتيال لاريجاني ومن بعده سليماني في يوم واحد، يمثل، وفقاً للرواية الإسرائيلية، انهياراً كاملاً لمنظومة الحماية التي كانت تتباهى بها الأجهزة الأمنية الإيرانية. هذا التفسير يخدم هدفاً استراتيجياً أوسع يتمثل في تقويض الروح المعنوية للقيادة الإيرانية وزعزعة ثقة الشعب في قدرة أجهزته الأمنية على حماية قادته.

يبقى السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوة : هل تعمدت إسرائيل تأجيل العملية من الأحد إلى الاثنين لضمان تصفية سليماني في نفس التوقيت وتوجيه ضربة مزدوجة ذات أبعاد نفسية واستراتيجية أعمق، أم أن الصدفة وحدها هي من قادتهم إلى الشقة السرية وجمعت الهدفين في لحظة واحدة؟ التحليل المنطقي للمعطيات المقدمة، خاصة الإشارة إلى “ساعة الصفر المؤجلة” و”الصيد الثمين”، يميل إلى ترجيح فرضية التخطيط المسبق والاستغلال الأمثل للفرص الاستخباراتية، بدلاً من مجرد الصدفة. ففي عالم العمليات الخاصة، نادراً ما تكون الصدفة هي المحرك الرئيسي لمثل هذه الضربات المعقدة والمنسقة، بل هي نتيجة لجمع معلومات دقيقة، وتحليل استخباراتي عميق، وقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات المناسبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!