سمارة : الحكم بسجن نشطاء يعيد الجدل حول استعمال القضاء لضرب الحريات

المعتقل لمام آيت الجديدة كاتب فرع فيدرالية اليسار الديمقراطي بسمارة

الهادي اليمني – موطني نيوز 

أعادت الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية بمدينة السمارة في حق عدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين إلى الواجهة نقاشًا حساسًا ومتجددًا حول علاقة القضاء بالحريات العامة، وحدود توظيف المتابعات القضائية في سياق تدبير الاحتجاجات السلمية.

فقد قضت المحكمة بأحكام حبسية نافذة، شملت لمام آيت الجديدة، كاتب فرع فيدرالية اليسار الديمقراطي بالمدينة، بسنة واحدة حبسا نافذا مرفوقة بغرامة مالية، بعد متابعته في حالة اعتقال. كما أدانت ثمانية متابعين آخرين، كانوا في حالة سراح، بشهرين حبسا نافذا لكل واحد منهم، إلى جانب غرامات مالية.

وتعود فصول القضية إلى متابعة المعنيين بتهم تتعلق بـ”التجمهر غير المسلح” و”إهانة موظف عمومي”، على خلفية مشاركتهم في وقفة احتجاجية بالمدينة. غير أن المتهمين، خلال أطوار المحاكمة، نفوا بشكل قاطع التهم المنسوبة إليهم، مؤكدين أن الوقفة كانت سلمية ولم يسبقها أي إشعار رسمي بفضها، كما ينص على ذلك القانون.

روايات متضاربة ومطالب بتحقيق نزيه ومحايد :
أثارت مجريات الجلسة، وفق معطيات من داخل القاعة، تساؤلات حول مدى اعتماد المحكمة على كافة وسائل الإثبات الممكنة، حيث طالب المتهمون بتفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة التابعة لعمالة السمارة، من أجل توضيح ملابسات التدخل الأمني. غير أن المحكمة، بحسب نفس المصادر، اعتمدت أساسًا على تقرير إداري منسوب لباشا المدينة ضمن وثائق الملف.
كما شدد بعض المتابعين على أن التدخل الأمني تم، حسب روايتهم، بشكل مفاجئ وعنيف، دون احترام المساطر القانونية المنظمة لفض التجمعات، وهو ما يطرح، في نظر متتبعين، إشكالية التوازن بين حفظ النظام العام وضمان الحق في الاحتجاج السلمي.

وفي تفاصيل أخرى، أوضح المتهمون أن حضور لمام آيت الجديدة إلى مكان الوقفة كان بطلب منهم، وأنه لم يشارك في رفع شعارات أو لافتات، بل اقتصر دوره على توثيق مجريات الاحتجاج. كما أشاروا إلى أن أحد المحكوم عليهم لم يكن مشاركًا أصلًا في الوقفة، بل صادف مروره بالقرب منها، ومع ذلك صدر في حقه حكم بالحبس والغرامة.

الحكم بالسجن على الناشط السياسي آيت الجديدة وشيعة الاستهداف :

في سياق متصل، اعتبر آيت الجديدة أن متابعته تحمل طابعًا “كيديًا”، مشيرًا إلى وجود خلاف سابق بين أسرته وأحد المسؤولين الأمنيين الذين وردت إفادتهم في محضر القضية. وأضاف أنه سبق أن تقدم بشكاية بخصوص واقعة اعتداء مزعومة، غير أنها، حسب قوله، لم تأخذ مسارها القانوني.

كما ربط بعض المتابعين خلفية الوقفة الاحتجاجية بملف التموين بالمدينة، حيث تحدثوا عن “اختلالات” دفعتهم إلى التعبير عن احتجاجهم، معتبرين أن المحكمة لم تتوسع في مناقشة هذه الخلفيات خلال المحاكمة.

القضية تعيد الجدل حول استعمال القضاء لضرب الحريات :

هذه القضية أعادت إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول مدى احترام حرية التعبير والاحتجاج، المنصوص عليهما دستوريًا، في مقابل لجوء السلطات إلى المتابعات القضائية. ويرى عدد من الفاعلين الحقوقيين أن تكرار مثل هذه الأحكام قد يُفهم كاستعمال للقضاء كآلية لردع الأصوات المنتقدة، وهو ما يثير مخاوف بشأن ما يوصف بـ”تكميم الأفواه”.

في المقابل، يؤكد آخرون أن القضاء يبقى مؤسسة مستقلة، وأنه يبت في القضايا المعروضة عليه بناءً على معطيات قانونية ووثائق رسمية، وأن الحفاظ على النظام العام يظل من صميم اختصاص الدولة.

غير أن هذا التباين في القراءات لا يلغي، بحسب متابعين، الحاجة إلى تعزيز الثقة في العدالة، عبر ضمان شروط المحاكمة العادلة، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون، وتوفير كل وسائل الإثبات الممكنة، بما يبدد أي شكوك حول توظيف القضاء في تصفية الحسابات أو التضييق على الحريات.

وفي خضم هذا الجدل، يظل السؤال مطروحًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وحماية الحريات الفردية والجماعية؟ وهو سؤال يتجاوز حدود هذه القضية ليعكس تحديًا أعمق يهم مسار تكريس دولة الحق والقانون، حيث لا يُنظر إلى القضاء كأداة للضبط فقط، بل كضامن أساسي للحقوق والحريات.

وتبقى مثل هذه الملفات محكًا حقيقيًا لمدى قدرة المؤسسات على تدبير الاختلاف والاحتجاج في إطار القانون، دون المساس بجوهر الحقوق التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *