
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
نحن أمة تستيقظ كل صباح لتجد نفسها متأخرة خطوات، متعثرة في السباق، عاجزة عن اللحاق بركب يمضي كالسهم، بينما هي لا تزال تلف في دوائر السراب. فشلنا الإداري ليس سراً، إنه واقع نعيشه كل يوم في مؤسسات تئن تحت وطأة بيروقراطية مقيتة، وفي مشاريع تموت قبل أن ترى النور، وفي خطط توضع على الرفوف لتجمع الغبار. تأخرنا العلمي ليس افتراء، إنه حقيقة تراها في مختبراتنا الخاوية، وفي براءات اختراعنا النادرة، وفي اعتمادنا على كل صغيرة وكبيرة من إبرة الحقن حتى الصواريخ التي ندّعي صناعتها ونحن نشتري أجزاءها من هنا وهناك.
ولكن العجيب ليس في الفشل، فالفشل جزء من رحلة كل أمة، لكن العجيب حقاً هو ذلك البرود الذي نواجه به واقعنا، تلك الثقة العمياء بأننا على حق رغم كل شيء. نخرج من صلاة التراويح والدموع تبلل وجوهنا، نرفع أكفنا للسماء نبكي فيها بحرقة، ثم نخرج لنكسر إشارة المرور، ونرمي الزبالة في الشارع، ونأكل حقوق إخوتنا في الميراث، ونغش في مواصفات البناء، ونرتشي في وظائفنا، وليس لنا أي حكم لا يمكن على تربية أبنائنا. ثم نمضي في يومنا ونحن مقتنعون تمام الاقتناع أننا من “الفرقة الناجية”، وأن الجنة لنا خالصة، والنار لغيرنا خالصة.
نستدعي معارك مات أبطالها منذ قرون، فنتقاتل عليها وكأنها حدثت بالأمس، نستنزف طاقاتنا في جدالات عقيمة حول من كان على حق في صفين قبل ألف وأربعمائة عام، وبين أيادٍ ترفع شعارات دينية وأخرى ترفع شعارات وطنية، بينما الأمم الأخرى تخطط لاستعمار الفضاء وتطوير الذكاء الاصطناعي واختراع تقنيات تغير وجه البشرية. نغرق في تفاصيل لا تقدم ولا تؤخر، وننسى أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن التاريخ لا يرحم، وأن الأمم إما أن تصنع مستقبلها أو يصنعها الآخرون.
نحن لسنا الأفضل لمجرد أننا ولدنا مسلمين، فهذه ليست بطاقة عبور إلى الجنة ولا جواز سفر إلى النجاح. الأفضلية في هذا الكون لها قانون صارم، قانون وضعه الله الذي خلق الكون، وقانون عادل لا يحابي أحداً : من يزرع يحصد. لو كان الأمر غير ذلك، لكان كل من آمن بالله في مقدمة الركب، ولما رأينا أمة غير مسلمة تبني وتتقدم وتزدهر، ولما رأينا أمة مسلمة تتخلف وتتراجع وتندثر. لكن الحقيقة المرة أن الله عدل، وقانونه في الأرض صارم : من أتقن صنعته نال ثمرتها، ومن أخلص في عمله رأى نتيجة إخلاصه، ومن جد وجد، سواء كان مسلماً أم غير مسلم. وكما تعلمون فإن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة.
والمصلي الصادق ليس ذلك الذي يطيل صلاته ويكثر ركوعه وسجوده، المصلي الصادق هو الموظف الذي لا يرتشي، هو المهندس الذي لا يغش في مواصفات البناء، هو المعلم الذي يبني العقول بضمير ولا يبيع العلم لأحد، هو الجار الذي يؤمن جيرانه جانبه فلا يخيفهم ولا يؤذيهم، هو الطبيب الذي لا يستغل حاجة المريض، هو التاجر الذي لا يغش في البيع والشراء. الصلاة ليست طقوساً نؤديها ثم نعود لنسلك كما شئنا، الصلاة مدرسة إن لم تغير سلوكنا وتصلح أخلاقنا، فنحن لم نصل بعد.
إذا لم يجعلك دينك إنساناً أفضل، فراجع نفسك قبل أن تراجع دينك. الدين ليس هوية نفتخر بها، الدين منهج حياة نطبقه. ليس شعاراً نرفعه، بل قيم نعيشها. ليس ماضياً نستدعيه، بل حاضر نبنيه ومستقبل نصنعه. فكفانا أوهاماً، كفانا تبريرات واهية، كفانا اتهام الآخرين بالتآمر علينا ونحن نتآمر على أنفسنا بأنفسنا ونأكل أموال بعضنا البعض ونسرق جيوب بعضنا. لننظر في المرآة جيداً، ونرى حقيقتنا كما هي، ثم لنبدأ العمل من الداخل، من أنفسنا أولاً، من بيوتنا، من أحيائنا، من مدننا، من بلادنا. فوالله لم يسبق لنا أن سمعنا أن مسيحيا إستغل أزمة مسيحي و لا يهوديا باع لحم الكلاب و القطط و المواد الفاسدة لأخيه اليهودي. ولا حتى استغلوا الأزمات وتاجروا فيها. لكننا كمسلمون مع وقف التنفيذ، قمنا بالكثير والله بريء منا ومن تديننا. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.