سكت ألفاً ونطق خلفاً

المصطفى الجوي

بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في دهاليز السياسة المظلمة، حيث تتراقص الأفاعي على أنغام الوعود الكاذبة، وحيث تُباع الذمم بأبخس الأثمان، يبرز مثل عربي قديم، لكنه في واقعنا المعاصر يرتدي ثوباً جديداً أكثر قتامة وأشد وطأة. فالمثل القائل : “صمت دهراً ونطق كفراً”، قد تحور في أروقة برلماننا ليصبح “سكت ألفاً ونطق خلفاً”. هذا التحوير ليس مجرد لعب بالكلمات، بل هو وصف دقيق لحال من يطيلون الصمت والغياب، وحينما يفتحون أفواههم أخيراً، لا يأتون إلا بكلام قبيح، رديء، أو سيء جداً لا يتناسب مع فترة صمتهم الطويلة، بل يزيد الطين بلة ويثير الاشمئزاز.

هذا الوصف ينطبق تماماً على من يمثلون ساكنة إقليم بنسليمان تحت قبة البرلمان. ثلاثة أشخاص، أو ربما ثلاثة ممثلين، لم يظهر لهم أثر منذ عام 2021 وإلى يومنا هذا على خشبة مسرح الإقليم. لم يتركوا خلفهم ما قد يخلد ذكراهم ويشفع لهم عند الساكنة، التي باتت ترى فيهم مجرد عابري السبيل موسمين. فالمنطق التجاري البحت هو الذي يحكم علاقتهم بالناخبين. وهذه هي الحقيقة المرة، فبما أننا بعنا ذممنا وهم المشترون، فلا يحق للساكنة أن تطالبهم بالنتائج والمحصول. إنها معادلة قاسية، لكنها الحقيقة المرة التي تتجرعها أفواه المواطنين في هذا الإقليم المنسي.

وها نحن مرة أخرى على مشارف مهرجان الاتجار بذمم الناخبين ونحن مستعدون مرة أخرى لعرض خدماتنا، والذي حددت له وزارة الداخلية شهر شتنبر من السنة الجارية. ستة أشهر تفصلنا عن مسرحية جديدة، لكن يبدو أن حمى الحملات الانتخابية قد انطلقت بالفعل ومنذ مدة. فمنهم من يتسابق على الأفراح والأتراح، يظهرون في المناسبات الاجتماعية كالفطر بعد المطر، لا لشيء إلا لكسب ود الناخبين. ومنهم من بات يركب على موجة المشاريع الاستثمارية، تلك المشاريع التي تعثرت لأكثر من عشر سنوات، ليقدمها وكأنها إنجازاته الشخصية. وهناك من وجد ضالته في “القفة الرمضانية”، وفي “عيدية عيد الفطر” و”عيد النحر”، يرمون بفتات موائدهم لعلهم يشترون به صوتاً انتخابياً، ضاربين عرض الحائط بكرامة المواطن وحقه في حياة كريمة.

وبما أننا في إقليم بنسليمان نمتلك “ذاكرة السمكة”، ومصيرنا في أيدي السماسرة والشناقة، فلا خوف على المقاعد البرلمانية. فالناخب، الذي لم يرفع من ثمن “الصوت الانتخابي” رغم غلاء الأسعار الفاحش، بات سلعة رخيصة في سوق النخاسة السياسية. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وكلهم أمل في انتزاع مقعد برلماني، لثقته الكبيرة في هذا الناخب الذي يبيع صوته ببضع دراهم. لتبقى النتيجة صفراً، والدليل هو حال هذا الإقليم الذي يزدهر فيه الفساد في غياب أي تنمية حقيقية، وكأن قدره أن يبقى مرتعاً للمفسدين ومقبرة للأحلام.

بسم الله الرحمن الرحيم “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ” (البقرة: 11-12).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!