
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
ثم قاعدة ذهبية في عالم الاستخبارات تقول : المكان الأكثر أمانًا هو المكان الأكثر عرضة للاختراق. هنا في أروقة طهران، حيث الجدران لها آذان، وحيث كل همسة تُحسب وتُسجل، حدث ما لم يكن في الحسبان. وسط الغبار والركام، وبعد أن صمت دوي القنابل الأمريكية الإسرائيلية، كان هناك رجل يقف في قلب الحدث. رجل مجهول الهوية، لا يرتدي بزة عسكرية إسرائيلية ولا يحمل سلاحًا ظاهرًا. إنه الذئب الذي عاش بين الرعاة بدم بارد. يخرج هاتفه، يلتقط الصورة التي ستغير وجه الشرق الأوسط للأبد. صورة لجثمان آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى الراحل حسب عقيدة الملايين من المؤمنين بولاية الفقيه. نقرة واحدة على الشاشة، وفي غضون ثوانٍ، تعبر هذه الصورة القارات. تصير الصورة إلى شاشات بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. يسرب الأول الخبر بزهو المسؤول الرفيع، ويخرج الثاني ليحتفل بموت العدو اللدود. هذا المشهد، رغم دراميته المفرطة، يطرح السؤال الأكثر رعبًا للنظام الإيراني: كيف وصل القاتل إلى غرف النوم؟ كيف سقط المرشد ليس بقوة القنابل فحسب، بل بعيون الجواسيس الذين كانوا أقرب إليه من حبل الوريد؟
عادةً، كانت تفضل إسرائيل أن تُقدر في صمت، وقالت : الغموض هو نصف قوة جهاز الموساد. لكن حين مست النيران الإسرائيلية قلب الجمهورية الإسلامية في الثالث عشر من يونيو 2025، لم يستطع القادة في تل أبيب كبح جماح غرورهم. لأول مرة، تفاخروا علانية بأن دقة صواريخهم لم تكن بفضل الأقمار الصناعية وحدها هذه المرة، بل بفضل العيون البشرية المزروعة في الداخل الإيراني. جن جنون طهران، وبدأت حملة تطهير غير مسبوقة. اعتقلت الاستخبارات الإيرانية أكثر من سبعمائة عميل مفترض منذ اندلاع المواجهة، وفقًا لصحيفة الجارديان. سبعمائة شخص ليسوا مواطنين بسطاء، بل شبكة متغلغلة في مفاصل الدولة، برامج الصواريخ، المنشآت النووية، وربما الدائرة الضيقة للمرشد نفسه. أعدمت طهران من أعدمت، لكن السرطان كان قد انتشر بالفعل، والنزيف قد بدأ لتوه. هذه ليست المرة الأولى التي يُطعن فيها الخنجر الإسرائيلي ظهر المحور من الداخل، من عماد مغنية في دمشق، مرورًا بعلماء الذرة، وصولًا إلى رأس الهرم في طهران. لكن لكي نفهم كيف تُبنى هذه الشبكات المرعبة، وكيف يُجند الإيراني لقتل قائده، علينا أن نعود إلى نقطة الصفر، إلى اليوم الذي وُلد فيه الموساد.
في ديسمبر عام 1949، نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون إلى خريطة الشرق الأوسط. رأى كيانًا صغيرًا وليدًا محاطًا ببحر من الأعداء. أدرك أن إسرائيل لا تملك رفاهية تلقي الضربة الأولى. هنا، استدعى رجله الثقة راؤوفين شيلواح، وأمره بتأسيس معهد الاستخبارات والمهام الخاصة، ما سيُعرف لاحقًا بالموساد. اختار شيلواح شعارًا توراتيًا يلخص الفلسفة الأمنية الإسرائيلية بأكملها :
“حيث لا تدبير يسقط الشعب، لكن في كثرة المشيرين سلامة”. لم يكن هذا مجرد اقتباس ديني، بل في الحقيقة عقيدة عسكرية سيتبناها الجهاز الأمني الوليد. الكلمة المفتاحية هنا هي التدبير الاستباقي. الموساد لم يُخلق لرد الفعل، بل لخلق الفعل نفسه، لتحييد التهديد قبل أن يتحول إلى خطر وجودي. ومن حينها، بنى الموساد أسطورته على عمليات عابرة للقارات. ذروة مجده كانت عام 1960، حين طالت يده الضابط النازي أدولف أيخمان في أقاصي الأرض في الأرجنتين. نجاح هذه العملية رسم هالة من الرعب المطلق حول الجهاز. ورغم أن الموساد فشل مرارًا وتكرارًا، إلا أن آلات الدعاية الإسرائيلية حافظت على هذه الصورة “الجهاز الأمني الذي لا يُقهر”. فكانت هذه الهالة النفسية هي السلاح الأول الذي يُستخدم لإسقاط الخصوم وتجنيدهم. نحن نرى كل شيء ونصل إلى أي شخص. لم يكتفِ الموساد بصيد النازيين القدامى، بل وجه بوصلته نحو ما اعتبره التهديد الأكبر، النووي الإيراني. ولأن قصف المفاعلات المحصنة تحت الجبال أمر معقد، قررت تل أبيب قصف العقول التي تبني المفاعلات أولًا. بدأ مسلسل الاغتيالات الصامتة والمروعة عام 2007. العالم أردشير حسين بور يموت بتسمم إشعاعي غامض. عام 2010، مسعود علي محمدي ومجيد شهرياري يُقضى عليهما بقنابل لاصقة وسيارات مفخخة. لكن العملية التي غيرت قواعد اللعبة الجاسوسية وقعت في السابع والعشرين من نوفمبر عام 2020. الهدف، محسن فخري زاده، أستاذ الفيزياء، رأس البرنامج النووي كما يُوصف. كان فخري زاده يسير في موكب محصن، وفجأة، ودون وجود أي عنصر بشري على الأرض، انهمر عليه الرصاص، لتكشف التقارير لاحقًا أن الاغتيال تم عبر روبوت قاتل، رشاش آلي مثبت على شاحنة بيك أب، يتم التحكم به عبر الأقمار الصناعية من غرفة عمليات تبعد آلاف الأميال. وبالطبع، مقتل فخري زاده كان استعراضًا مرعبًا لقوة التكنولوجيا. لكن لكي تضع هذا الروبوت في الموقع الصحيح وفي التوقيت المناسب، أنت بحاجة إلى شيء لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وحده توفيره “الخيانة البشرية”. وهنا نعود إلى اليوم الذي قُتل فيه المرشد الأعلى علي خامنئي. نواجه حقيقة أن الروبوتات والطائرات المسيرة والقنابل الذكية حتى لا تستطيع أن تنجح دون الذئاب البشرية على الأرض. والشبكة التي زرعتها إسرائيل لم تكن لإعطاء إحداثيات فحسب، بل لصناعة اختراق سيكولوجي وأمني في أعمق طبقات النظام. مقتل علي خامنئي لم يكن مجرد اغتيال سياسي، بل أشبه بزلزال يضرب مركز محور المقاومة في الشرق الأوسط برمته. بالمعنى الاستراتيجي، خامنئي لم يكن رئيسًا تقنيًا، بل كان المؤسسة والمرجعية والبوصلة التي توحد شبكة هائلة من الفصائل والدول الممتدة من طهران إلى بيروت ومن صنعاء إلى بغداد.
غياب هذه الشخصية المركزية في هذا التوقيت يخلق فراغًا قاتلًا. كيف سيتم اختيار الخليفة وسط نظام مخترق حتى النخاع؟ من يثق بمن؟ حين تعلم أن زميلك في الحرس الثوري أو مستشارك الأمني قد يكون الجاسوس الذي سرب إحداثيات المرشد، فيما يبدو وكأنه الهدف الآخر للاغتيال، وضرب الثقة داخل النظام وإثارة الشكوك بين صفوفه.
مرة أخرى إلى ذلك الرجل في طهران، صاحب الهاتف الذي وقف على أنقاض أقدس شخصية في نظامه. إنه الآن يعود إلى منزله، ربما يلبس السواد ويبكي مع الباكين ويشارك في مسيرات التنديد، بعد أن وضع محور المقاومة أمام اختبار جديد عنوانه حرب الاستخبارات. حرب لا تنتهي بسقوط قائد، بل تبدأ من جديد. فالإمبراطوريات لا تسقط فقط بالجيوش الجرارة على الحدود، بل تسقط حين يفتح حراسها الأبواب للعدو. خامنئي لم يكن الأول في هذه الحرب القاسية، والمؤكد في عالم تحكمه الذئاب أنه لن يكون الأخير. الأسئلة الآن لم تعد عن من مات، بل عن من هو الذئب القادم الذي يتحضر للصيد. إلى اللقاء.