
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا، تعود قضية الصحراء المغربية إلى الواجهة بحدة، ليس كملف للنقاش النظري أو التجاذب الدبلوماسي التقليدي، بل كاستحقاق سياسي وقانوني يفرض الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق الحسم عبر نموذج الحكم الذاتي، ذلك الخيار الاستراتيجي الذي تبلور تدريجياً كأرضية واقعية للتسوية، مستجيباً بذلك لمتطلبات الشرعية الدولية من جهة، ولمقتضيات السيادة الوطنية ووحدة الدولة من جهة أخرى. غير أن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد يتعلق بشرعية المبادرة المغربية التي حظيت باعتراف دولي متزايد، وآخر تجلياته القرار الأممي الأخير الذي كرس خيار الحكم الذاتي كمرجعية أساسية للحل، بل بات مرتبطاً بشكل وثيق بمسألة التنزيل العملي لهذا النموذج، وبمدى القدرة على تحويله من تصور دستوري إلى ممارسة مؤسساتية وتنموية ملموسة، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات التاريخية والمجالية والاجتماعية للمجال الصحراوي في امتداده الشامل.
إن أي مقاربة جادة لتنزيل الحكم الذاتي لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتجاهل الإشكال الترابي المرتبط بتحديد المجال الجغرافي المعني بهذا النموذج، فالنقاش الدائر حول موقع جهة كلميم وادنون ضمن مشروع الحكم الذاتي يطرح إشكالية سياسية وتاريخية عميقة، تتجاوز البعد التقني أو الإداري الضيق. فالفضاء الصحراوي المغربي، في تشكله التاريخي، لم يكن أبداً مجالاً مجزأً أو منغلقاً داخل حدود إدارية مرسومة حديثاً، بل ظل فضاء مفتوحاً تحكمه روابط البيعة والولاء للدولة المغربية، وتنسجه شبكة معقدة من الامتدادات القبلية والاجتماعية والاقتصادية التي تشمل الساقية الحمراء ووادي الذهب وصولاً إلى كلميم وادنون وامتداداتها الطبيعية والبشرية. إن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية، والانحصار في قراءة النزاع وفق المنطق الأممي الضيق الذي يرسم حدوداً سياسية للصراع، يهدد بإفراغ نموذج الحكم الذاتي من محتواه التوحيدي، وقد يخلق شعوراً بالإقصاء الوظيفي لدى ساكنة هذه الجهة، التي تظل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الصحراوي المغربي تاريخاً وانتماءً وهوية.
من هنا تبرز أهمية تبني رؤية تنطلق من ضرورة اعتماد تصور ترابي مندمج وشامل للحكم الذاتي، يقوم على قاعدة الإدماج لا الإقصاء، ويستحضر العمق التاريخي والاجتماعي للفضاء الصحراوي في وحدته، مع الاحترام الكامل للضوابط الدستورية والمؤسساتية للدولة. فالنجاح الحقيقي للحكم الذاتي لا يقاس فقط بمدى استجابته لمتطلبات التسوية السياسية الدولية، بل أيضاً بقدرته على تحقيق الانسجام الداخلي، وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك، وجعل المجال الترابي للحكم الذاتي فضاء للوحدة والتكامل، لا مصدراً لإعادة إنتاج التمايزات داخل الجنوب المغربي. إن إدراج جهة كلميم وادنون ضمن نطاق الحكم الذاتي يشكل اختباراً حقيقياً لمصداقية النموذج، ومدى قدرته على تجاوز المقاربات الانتقائية التي تكرس واقعاً استثنائياً قد يضعف التماسك الاجتماعي والسياسي للمنطقة بأكملها.
غير أن الإشكال الترابي، رغم مركزيتة، لا يمثل سوى مدخلاً لتحديات أكبر تتعلق ببنية الحكم الذاتي وآليات اشتغاله. فالتنزيل الناجح لهذا الخيار الاستراتيجي يظل رهناً بمدى القدرة على بناء مؤسسات جهوية قوية وديمقراطية، تتمتع بسلطات تقريرية حقيقية في مجالات التنمية المحلية والتخطيط والثقافة والتعليم والصحة، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها السيادية في الدفاع والأمن والعلاقات الخارجية. وهذا يقتضي وضوحاً دستورياً وتشريعياً دقيقاً في تحديد الاختصاصات، وضمانات قانونية تحمي هذا الوضع الخاص من أي تراجع تعسفي، مع توفير استقلالية مالية حقيقية للجهة عبر موارد ذاتية واضحة، وآليات جبائية جهوية، وتضامن مالي مع الدولة المركزية. فالتجارب المقارنة تظهر أن فشل العديد من نماذج الحكم الذاتي ارتبط أساساً بضعف الاستقلال المالي، واستمرار تبعية الجهات لمركز القرار، مما أفقدها القدرة على التخطيط المستقل وتنفيذ سياساتها التنموية.
ولا يقل عن ذلك أهمية الدور المنتظر للفاعلين المحليين والأحزاب السياسية والمجتمع المدني في تفعيل النموذج، فالحكم الذاتي لا يمكن أن ينجح بمنطق النخب المغلقة أو التدبير التقني البيروقراطي، بل يتطلب انخراطاً مجتمعياً واسعاً، وثقافة ديمقراطية محلية، وقدرة على تحويل التنافس السياسي من منطق العصبيات والاستقطابات الهوياتية الضيقة إلى منطق البرامج والاختيارات التنموية. ذلك أن الحكم الذاتي، في فلسفته العميقة، يفترض انتقالاً من ديمقراطية تمثيلية محدودة إلى ديمقراطية ترابية تشاركية، يكون فيها للمجتمع المدني موقع أساسي في بلورة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم أثرها. كما يضطلع بدور محوري في بناء ثقافة الحكم الذاتي داخل المجتمع، من خلال التوعية بالحقوق والواجبات، وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية، وتحويل هذا النموذج إلى مكسب ديمقراطي وتنموي مشترك، يدافع عنه الجميع ويعملون على تحصينه.
وفي المحصلة، إن ما تطرحه المبادرة المغربية للحكم الذاتي ليس مجرد حل تقني أو إجراء قانوني للنزاع، بل هو مشروع مجتمعي متكامل، تتوقف قابليته للنجاح على مدى تلاقي الإرادة السياسية مع الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والنضج الديمقراطي. فكل اختلال في أحد هذه الشروط من شأنه أن ينعكس سلباً على باقي المكونات، وأن يحول الحكم الذاتي من رافعة للاستقرار والتنمية إلى عامل توتر واضطراب. والرهان اليوم، بالنسبة للنخب السياسية والفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني، هو القدرة على بناء هذا التوازن الدقيق، وتوفير الضمانات الموضوعية والذاتية التي تجعل من الحكم الذاتي ممارسة ديمقراطية حية، قادرة على تعزيز وحدة الدولة في إطار تنوعها، وترسيخ دولة الحق والقانون في بعدها الترابي، وتحويل الصحراء المغربية من فضاء لتدبير النزاع إلى رافعة استراتيجية للاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة، في سياق دولي بات يدرك أن مستقبل المنطقة رهن بقدرتها على تجاوز صراعات الماضي وبناء نموذج تنموي جديد قوامه الشراكة والتكامل والمواطنة الحقيقية.