
بقلم الهادي اليمني – موطني نيوز
تشغل قضية عمر الرأي العام المغربي منذ أيام، بعدما تحولت من واقعة فردية إلى موضوع نقاش واسع حول العدالة، والحياد المؤسساتي، وحدود الثقة في مسار التحقيقات حين يكون أحد أطراف النزاع منتمياً إلى جهاز إنفاذ القانون.
القضية لم تعد مجرد ملف معروض على العدالة، بل أصبحت مرآة تعكس أسئلة عميقة تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وضمانات المحاكمة العادلة، وكيفية تدبير الملفات الحساسة التي قد تثير شبهة تضارب المصالح.
بلاغ النيابة العامة أو حينما يتبنى الرئيس رواية المرؤوس
الجدل تصاعد عقب البلاغ الصادر عن النيابة العامة، والذي اعتبره عدد من المتابعين أقرب إلى تبني رواية الشرطة منه إلى إعلان فتح تحقيق شامل ومحايد. فبدلاً من التأكيد بوضوح على مباشرة تحقيق معمق لكشف ملابسات القضية من جميع جوانبها، بدا البلاغ — وفق منتقديه — وكأنه يمنح أفضلية لرواية جهاز أمني يعد طرفاً في النزاع.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى وجود نزاع مع عميدة شرطة، ما يجعل جهاز الشرطة طرفاً مباشراً في الأحداث موضوع الشكوى. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن طمأنة الرأي العام إلى نزاهة التحقيق حين يكون أحد أطرافه منتمياً إلى الجهة التي تمارس البحث تحت إشراف النيابة العامة؟
إشكالية الحياد المؤسساتي
تُعد النيابة العامة، بحكم القانون، الجهة الرئاسية المشرفة على الشرطة القضائية. غير أن هذا الإطار القانوني، رغم وضوحه من حيث التسلسل الإداري، يثير في مثل هذه القضايا إشكالية الحياد المتصور لدى الرأي العام. فحتى مع افتراض حسن النية والالتزام القانوني، فإن العدالة لا تقتضي فقط أن تكون محايدة، بل أن تظهر كذلك بمظهر الحياد الكامل.
وفي القضايا التي يكون فيها جهاز أمني طرفاً في النزاع، تبرز الحاجة إلى آليات إضافية تعزز الثقة، مثل إسناد التحقيق إلى جهة قضائية مستقلة عن الدائرة الترابية المعنية، أو تكليف قاضي تحقيق بمتابعة الملف، أو حتى إحالة القضية على هيئة قضائية أخرى تفادياً لأي شبهة.
العدالة بين القانون والثقة المجتمعية
تقوم العدالة الحقة على ركيزتين أساسيتين: احترام القانون، وضمان ثقة المجتمع في مؤسساته. ففي غياب الثقة، تصبح أي إجراءات قانونية — مهما كانت سليمة من الناحية الشكلية — عرضة للتشكيك والرفض الشعبي.
قضية عمر، إذن، تتجاوز تفاصيلها الفردية لتطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تعزيز استقلالية التحقيق في الملفات التي يكون فيها موظفون عموميون، وخاصة من جهاز الأمن، طرفاً مباشراً؟ الإجابة لا تكمن في إصدار بيانات مقتضبة، بل في خطوات عملية تعكس الإرادة الحقيقية في كشف الحقيقة كاملة، دون تحيز أو انحياز.
الحاجة إلى إحالة الملف إلى جهة محايدة
يرى عدد من الحقوقيين والمتابعين أن إحالة الملف على جهات قضائية محايدة من شأنه أن يبعث برسالة طمأنة قوية للرأي العام، ويؤكد أن لا أحد فوق القانون. فمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي يسعى إلى ترسيخ العدالة وسيادةت القانون.
وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف الأسمى هو الوصول إلى الحقيقة، وضمان حقوق جميع الأطراف، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو الانتصار للروايات المتعارضة. فالعدالة لا ينبغي أن تكون موضوع شك، بل مصدر اطمئنان.
وقضية عمر اليوم تضع المنظومة القضائية أمام اختبار حقيقي: اختبار القدرة على ترسيخ الثقة، وصون مبدأ الحياد، وتأكيد أن العدالة في المغرب فوق كل اعتبار.