أليس لهذه المدينة رب يحميها؟

الأستاذ محمد كفيل الأمين العام لحزب النهضة و الفضيلة

بقلم الاستاذ محمد كفيل – موطني نيوز 

ليست القضية في بنسليمان مجرد اختلاف في وجهات النظر حول التدبير المحلي، ولا هي سجال سياسي عابر بين أغلبية ومعارضة. ما يجري اليوم، كما تتداوله الساكنة وكما توثقه الشكايات والتقارير المتناسلة، يتجاوز حدود “سوء التسيير” إلى ما يشبه نزيفًا مستمرًا للمال العام، ونمطًا من الاختلالات التي تطرح سؤالًا أكبر من الأشخاص وأخطر من المواقع: من يحمي من؟ ولماذا؟

حين تتحول مدينة كانت تُلقب بمدينة الهدوء والنظافة إلى فضاء مثقل بالعشوائية، ومشاريع متعثرة، وصفقات تحوم حولها علامات الاستفهام، فإن الأمر لا يتعلق بتفصيل إداري، بل بصورة مدينة تُسحب منها ملامحها بالتقسيط. بنسليمان التي كان يُضرب بها المثل في التنظيم، أضحت في نظر كثير من أبنائها قريةً كبيرة تُدار بعقلية ضيقة، يغيب فيها الأفق وتضيع فيها الأولويات.

الأسئلة التي تتردد في الشارع ليست ترفًا سياسيًا. المواطن البسيط، التاجر، الموظف، الشباب العاطل، جميعهم يسألون :

أين تذهب الميزانيات؟ لماذا تتكرر الأعطاب نفسها؟ لماذا تُبرمج مشاريع دون أثر ملموس؟ ولماذا تتراكم الاختلالات دون محاسبة واضحة؟

لقد كُتبت تقارير، ورفعت شكايات، وتناقلت المنابر الإعلامية معطيات مقلقة. بل إن الحديث عن أبحاث تجريها جهات مختصة لم يعد سرًا. ومع ذلك، تستمر بعض الوجوه في مواقعها وكأن شيئًا لم يكن. هنا تحديدًا يتعمق الشك، ويتحول السؤال من “هل هناك اختلال؟” إلى “من له المصلحة في استمرار الاختلال؟”

إن حماية المال العام ليست شعارًا انتخابيًا يُرفع في الحملات ثم يُنسى في المكاتب المكيفة. إنها جوهر الشرعية الأخلاقية والسياسية لأي مجلس منتخب. وحين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئًا، وأن التقارير لا تُثمر محاسبة، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل بصمت، وذلك أخطر من أي عجز مالي.

بصفتي أمينًا عامًا لحزب النهضة والفضيلة، أتلقى يوميًا اتصالات من غيورين على هذه المدينة، يتساءلون عن دور الأحزاب السياسية :

هل يقتصر دورها على البيانات؟ أم أن عليها الانتقال إلى مبادرات رقابية أقوى، ومساءلات علنية، ومطالبة صريحة بربط المسؤولية بالمحاسبة؟

الأحزاب، إن لم تكن صوتًا للمساءلة، تصبح جزءًا من الصمت. والساكت عن الاختلال، وهو يعلم، شريك فيه أخلاقيًا على الأقل. لذلك فإن المرحلة تقتضي وضوحًا لا لبس فيه: إما أن يكون الجميع في صف حماية المال العام، أو يتركوا المجال للتاريخ ليكتب أسماءهم في خانة المتواطئين بالصمت.

ولولا أن المدينة قيض الله لها رجال سلطة نزهاء، يشتغلون في صمت ويحاولون ضبط الإيقاع، لكانت الصورة أكثر قتامة. غير أن الاتكال على يقظة بعض الأفراد لا يمكن أن يكون بديلاً عن منظومة مؤسساتية قوية تُفعل آليات الرقابة وتسرّع وتيرة المحاسبة.

إن السؤال الذي يردده الناس بمرارة — “أليس لهذا البيت رب يحميه؟” — ليس سؤال يأس، بل صيحة تنبيه. فالدولة التي تؤكد في دستورها على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول مدينة بكاملها إلى مجال تجارب في التدبير المرتجل.

بنسليمان ليست غنيمة سياسية، وليست ساحة لتصفية الحسابات، وليست خزينة مفتوحة بلا رقيب. إنها مدينة لها تاريخ، ولها ناسها الذين يستحقون تنمية حقيقية، ومشاريع شفافة، ومجالس منتخبة تحترم ثقة الناخبين.

إن المرحلة اليوم تتطلب :

• افتحاصًا دقيقًا وشاملًا لكل الصفقات والمشاريع المثيرة للجدل.
• نشر المعطيات المالية للرأي العام بشفافية كاملة.
• تفعيل المساطر القانونية دون انتقائية أو تأخير.
• تمكين المعارضة والمجتمع المدني من أدوات رقابية حقيقية.

أما غير ذلك، فليس سوى تدوير للأزمة وتمديد لعمر الاختلال.

بنسليمان تستحق أكثر من إدارة يومية مرتبكة. تستحق مجلسًا يَصون المال العام كما يصون سمعته.

وتستحق مسؤولين يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن التاريخ لا يرحم.

فإما أن نكون أمام لحظة تصحيح حقيقية…وإما أن نترك المدينة تُستنزف حتى لا يبقى فيها ما يُباع في المزاد العلني ، ولا ما يُحمى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!