دماء الإخوة..تاريخ يبكي على أمة أكلت أبناءها وما تزال

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في عام 1992، سقط الدكتور فرج فودة شهيداً للكلمة الحرة، ضحية جريمة بشعة أودت بحياته بسبب كتابه الجريء “الحقيقة الغائبة”. في صفحاته تلك، واجه فودة دعوات إقامة دولة الخلافة بجرأة نادرة، مستعرضاً سلسلة من الوقائع التاريخية المرة التي تكشف عن وجه آخر للتاريخ الإسلامي الدامي، فتن وقتل ودماء سالت بأيدي مسلمين أنفسهم، لا بسيوف الكفار أو مؤامرات الخارج. دعونا نغوص معاً في هذه الصفحات الدامية، حيث تتكشف الحقيقة كسيف يقطع أوهام المثالية، ويذكرنا بأن الصراع على السلطة غالباً ما يأكل أبناءه وما يزال.

بدأت التراجيديا مبكراً، في عصر الخلفاء الراشدين، حيث قُتل عثمان بن عفان، الخليفة الثالث، على يد مسلمين ثائرين. ثم جاء دور علي بن أبي طالب، ابن عم الرسول وابن أبيه، الذي اغتيل بدوره بأيدي مسلمين في مسجد الكوفة. ولم تنتهِ الدماء هناك؛ فالحسن بن علي، الإمام التقي، سقط مسموماً مغدوراً من قبل من يدعون الإيمان نفسه. أما الحسين بن علي، حفيد النبي، فقد ذُبح في كربلاء مع 73 من أهل بيته، وقُطع رأسه بسيوف جيش يزيد بن معاوية، كلهم مسلمون يدعون الولاء للدين ذاته. وفي تلك السنوات العاصفة، قُتل طلحة والزبير، اثنان من المبشرين بالجنة، في صراعات داخلية لم تكن سوى بوابة لمزيد من الفتن.

ثم انفجرت المعارك كالبراكين، ففي موقعة الجمل، حيث وقف علي في مواجهة عائشة أم المؤمنين، سالت دماء المسلمين بأيدي إخوانهم. وفي صفين، اشتبك علي مع معاوية في حرب أهلكت الآلاف من الجانبين، كلهم يرفعون راية الإسلام ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما نهروان، فقد شهدت مذبحة بين علي وأتباعه الخوارج، حيث قتل المسلمون بعضهم بعضاً في دوامة من التعصب. ولم تهدأ العواصف؛ فغضباً لمقتل الحسين، ثار أهل المدينة على الحكم الأموي، فأخمدت ثورتهم بقسوة، حيث قُتل نحو 700 من المهاجرين والأنصار على يد 12 ألف جندي أموي مسلم موحد.

وفي وقعة الحرة، التي قادها مسلم بن عقبة قائد جيش يزيد، حدث ما يفوق التصور، جاء صديقه الصحابي معقل بن سنان الأشجعي، الذي شهد فتح مكة وروى الأحاديث وكان فاضلاً تقياً، فأسمعه كلاماً غليظاً في يزيد بعد مقتل الحسين. فغضب مسلم وقتله دون تردد! هذه الوحشية لم تقتصر على الأشخاص؛ فأبو لهب وأبو جهل، رموز الكفر، لم يتجرآ على ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدم أجزاء منها، لكن الحصين بن نمير، قائد جيش عبد الملك بن مروان، فعلها أثناء حصاره لمكة. ولم يتجرأ اليهود أو الكفار على الإساءة لمسجد رسول الله، لكن قائد جيش يزيد حوّل المسجد النبوي إلى أسطبل لثلاث ليالٍ، حيث تبولت الخيول في أرضه المقدسة.

مع مرور السنين، استمرت الدماء في عصر عبد الملك بن مروان، حيث قُتل عبد الله بن الزبير، ابن أسماء ذات النطاقين، بأيدي مسلمين موحدين ومكبرين. وفي خلافة هشام بن عبد الملك، لم يكتفوا بقتل زيد بن علي بن الحسين، من نسل النبي، بل صلبوه عارياً على باب دمشق لأربع سنوات، ثم أحرقوه في مشهد يبعث على الرعب والقسوة. رغم تحذير الله تعالى لعباده بعدم قتل النفس إلا بالحق.

ثم جاء معاوية بن يزيد، ثالث خلفاء بني أمية، الذي كان صالحاً على عكس أبيه يزيد قاتل الحسين. لما حضرته الوفاة، سألوه : أعهد إلى من رأيت من أهل بيتك؟ فقال بصدق مذهل : والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها! اللهم إني بريء منها متخلٍ عنها. فلما سمعت أمه، زوجة يزيد، هذا الكلام، صاحت قائلة : ليتني خرقة حيض ولم أسمع منك هذا! وتقول بعض الروايات إن عائلته دسّت له السم ليموت، بعد رفضه قتال المسلمين وهو مسلم، وقد حكم ثلاثة أشهر فقط وعمرُه 22 سنة.

بعد موته، صلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، الذي اختاروه خليفة، لكنه طُعن بعد التكبيرة الثانية وسقط ميتاً قبل إتمام صلاة الجنازة. ثم قدموا عثمان بن عتبة، فقال : أبايع على أن لا أحارب ولا أباشر قتالاً، فرفضوه، فسار إلى مكة وانضم إلى عبد الله بن الزبير، وقتلوه كذلك. نعم، قتل الأمويون بعضهم بعضاً في دوامة لا تنتهي، قُتل مروان بن الحكم، ثم عمر بن عبد العزيز التقي، ثم الوليد بن يزيد، ثم إبراهيم بن الوليد، وأخيراً آخر الخلفاء الأمويين على يد أبي مسلم الخراساني.

مع سقوط الأمويين، قام أبو العباس السفاح، الخليفة العباسي الأول، بمذبحة شاملة، قتل كل من تبقى من نسل بني أمية من أولاد الخلفاء، فلم يبقَ إلا رضيع أو هارب إلى الأندلس. بل أمر بنبش قبورهم في دمشق حيث نبش قبر معاوية فلم يجدوا إلا خيطاً، وقبر يزيد فوجد حطاماً كالرماد، وقبر عبد الملك فوجده صحيحاً لم يتلف إلا أرنبة أنفه، فأخرجه من قبره بعد نبشه وضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح.

وكما هو معروف في كتب التاريخ فلولا جهود أبي مسلم الخراساني وشعبيته الهائلة، ما قامت الدولة العباسية؛ فقد قال المأمون عنه : “أجل ملوك الأرض ثلاثة نقلوا الدول وحولوها : الإسكندر و أردشير وأبو مسلم الخرساني”. لكن الغدر لم يتوقف؛ بعد موت أبي العباس، خلفه أخوه أبو جعفر المنصور، فخاف من شعبية أبي مسلم الخرساني أن تطمعه بالملك، فدبر له مكيدة وقتله وعمرُه 37 عاماً! ثم اندلعت معركة بين أنصار أبي مسلم وجيش العباسيين، قُتل فيها آلاف المسلمين.

ومع ذلك فالدماء لم تجف في العصور اللاحقة؛ فشجرة الدر قتلت عز الدين أيبك، ثم قتلتها زوجة أيبك رمياً بالقباقيب في انتقام مرير. وبعد وفاة أرطغرل، نشب خلاف بين أخيه دوندار وابنه عثمان، انتهى بقتل عثمان لعمه واستيلائه على الحكم، وهكذا ولدت الدولة العثمانية من رحم الدم. حفيده مراد الأول، عندما أصبح سلطاناً، قتل شقيقيه إبراهيم وخليل خوفاً من مطامعهما، ثم أمر بخنق ابنه يعقوب على فراش الموت في معركة كوسوفو عام 1389، حتى لا ينافس أخاه.

والسلطان محمد الثاني، فاتح القسطنطينية، أصدر فتوى شرعية تحلل قتل السلطان لشقيقه من أجل وحدة الدولة ومصالحها العليا. أما مراد الثالث، فقد قتل أشقاءه الخمسة فور تنصيبه. وابنه محمد الثالث لم يكن أقل إجراماً؛ قتل أشقاءه التسعة عشر فور تسلمه السلطة، محققاً رقماً قياسياً في الوحشية. و يروي الإعلامي التركي رحمي “تروان” في مقال “ذكريات الملوك” : لم يكتفِ محمد الثالث بذلك، بل قتل ولده الصغير محمود البالغ 16 عاماً، كي تبقى السلطة لولده أحمد البالغ 14 عاماً، الذي اشتهر لاحقاً ببناء الجامع الأزرق في إسطنبول.

وعندما أرادت الدولة العثمانية بسط نفوذها على القاهرة، قتلوا خمسين ألف مصري مسلم في حملة دامية. فالسلطان سليم طلب من طومان باي التبعية مقابل بقائه حاكماً، فرفض الأخير ببسالة، نظم المقاومة، حفر الخنادق، وشاركه الأهالي في الدفاع. لكن المقاومة انكسرت، فهرب طومان باي إلى صديقه الشيخ حسن بن مرعي، الذي خانه ووشى به، فقُتل، وأصبحت مصر ولاية عثمانية. ثم قتل سليم شقيقيه لرفضهما أسلوبه العنيف في الحكم.

رحم الله الدكتور الشهيد فرج فودة، الذي دفع حياته ثمناً غالياً لكشف هذه الحقائق المرة، مذكراً العالم بأن التاريخ ليس سوى مرآة لأخطائنا، وأن السلام الحقيقي يبدأ بمواجهة الظلام داخلنا. والحقيقة المرة هو أن إرهاب المسلمين يمارس على المسلمين أنفسهم، فمن غير المنطقي أن يقوم مسلم بالاغتسال والوضوء و صلاة الفجر ويتوجه إلى الله بالدعاء، ليحمل حزاما ناسفا وينفجر وسط حشود من المسلمين وسط بيت الله وهم يصلون، وهو يصيح الله أكبر!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!