
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في عمق النقاش السوسيولوجي المعاصر حول واقع الشباب في المغرب، تبرز استعارات بصرية مكثفة تختزل مأساة جيل بأكمله. لعل أكثر هذه الاستعارات إثارة للتأمل هي ما بات يُعرف بـ “مثلث برمودا المغربي”؛ تلك النظرية التي لا تتحدث عن اختفاء طائرات أو سفن في المحيط، بل عن اختفاء طموحات وقدرات بشرية في دوامة ثلاثية الأبعاد : المطار، الحي الصناعي، والسجن المدني. إن هذه الثلاثية ليست مجرد مصادفة جغرافية أو لوحة إرشادية عابرة، بل هي “بنية قدرية” مشحونة بالدلالات السوسيولوجية، تختزل المسارات القسرية التي تفرضها المنظومة على فئة واسعة من الشباب، محاصرةً إياهم في “غيتو” وجودي تتعدد فيه المسالك والموت واحد.
حيث يمثل المطار في الوجدان الجماعي المغربي بوابة الخلاص الوحيدة. لم يعد السفر مجرد رغبة في الاستكشاف، بل تحول إلى “عقيدة هروب” من واقع يُنظر إليه على أنه عاقر. إن الهوس بالمطار يعكس أزمة عميقة في مفهوم المواطنة والارتباط بالأرض؛ فحين يصبح “الرحيل” هو الحلم الأسمى، فهذا يعني أن “البقاء” قد صار مرادفاً للهزيمة. المطار هنا هو الرأس الذي يغذي الرغبة في الانفصال عن سياق وطني لم يستطع استيعاب طاقات أبنائه. على النقيض من “حلم المطار”، يقف الحي الصناعي كواقع مادي فج. إنه المكان الذي تُستنزف فيه الأجساد مقابل أجور لا تكاد تسد الرمق، وفي ظروف عمل تفتقر غالباً لأدنى معايير الكرامة الإنسانية. الحي الصناعي في هذه النظرية ليس قاطرة للتنمية، بل هو “مقبرة للطموح”؛ حيث يتحول الشاب إلى مجرد ترس في آلة إنتاجية لا ترحم، يبيع وقته وجهده ليظل عالقاً في دائرة الفقر المدقع، دون أفق للترقي الاجتماعي أو الاستقرار النفسي. أما الضلع الثالث، السجن المدني، فهو المآل الذي يتربص بكل من ضاقت به السبل بين مطرقة الاستغلال في الحي الصناعي وسندان الفشل في الوصول إلى المطار. إن السجن هنا ليس مجرد مؤسسة عقابية، بل هو إفراز طبيعي لانسداد الآفاق. حين تُغلق أبواب التعليم والعمل الكريم، تُفتح أبواب الانحراف والجريمة كبديل يائس للتمرد على الواقع. إنه “الثقب الأسود” الذي يبتلع من لفظهم المجتمع، ليتحولوا من طاقات معطلة إلى أرقام في سجلات الاعتقال.
إن خطورة “مثلث برمودا المغربي” تكمن في كونه نظاماً مغلقاً؛ فالشاب الذي يفشل في الهجرة (المطار)، يجد نفسه مجبراً على الاستلاب (الحي الصناعي)، أو معرضاً للسقوط (السجن). هذه الدوامة هي نتيجة مباشرة لغياب “المثلث الذهبي” الحقيقي : التعليم النوعي، الفرصة المتكافئة، والعدالة الاجتماعية. إن تحليل هذه الظاهرة يتطلب شجاعة سياسية وفكرية للاعتراف بأن الحل لا يكمن في تزيين واجهات المدن، بل في كسر أضلاع هذا المثلث القاتل. إننا بحاجة إلى تحويل “المطار” من محطة للهروب إلى جسر للتبادل، و”الحي الصناعي” من مكان للاستغلال إلى فضاء للابتكار والإنتاج الكريم، و”السجن” من قدر محتوم إلى مؤسسة لا يزورها إلا من شذّ عن قاعدة الاستقرار والرفاه.
وبالتالي فإن “مثلث برمودا المغربي” هو صرخة صامتة في وجه السياسات العمومية. إنه تذكير بأن الجغرافيا ليست هي ما يحدد مصير الشعوب، بل هي الخيارات التي نتيحها لشبابنا. فإما أن نكسر هذا المثلث اللعين، أو سنظل نشاهد أفضل عقولنا وسواعدنا وهي تختفي في غياهبه، تاركة وراءها وطناً ينزف أحلاماً ضائعة.