
عبد المغيث الجوي – موطني نيوز
اسمي جوزيف د. بيستون، لكن ذلك الاسم لم يكن هو الذي عرفني به العالم. في دهاليز الظل كانوا ينادونني دوني براسكو ، وهذه… حكايتي. كنتُ عميلًا في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وأصبحت أول رجل يتوغل بهذا العمق داخل المافيا الأمريكية. على مدى ما يقارب ست سنوات، من 1976 إلى 1981، كانت مهمتي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات لإسقاط عالم الجريمة المنظّمة. مهمة دفعتُ ثمنها كل يوم من حياتي؛ فكم من صباحٍ استيقظتُ فيه، دخلتُ الحمّام، ونظرتُ إلى المرآة متسائلًا: هل سيُطلق عليّ الرصاص اليوم؟
في ذلك الزمن، لم يكن إيذاء كوزا نوسترا أمرًا هيّنًا. كثيرون كانوا يعتقدون أنها منظمة لا تُقهر، وأن القانون عاجز عن المساس بها. العائلات الخمس في نيويورك كانت راسخة النفوذ في سبعينيات القرن الماضي، وكان تفكيكها تحديًا حقيقيًا للـFBI. وهنا بدأ دوري: تسللتُ أولًا إلى عائلة كولومبو، ثم تعمّقت أكثر داخل عائلة بونانو. طوال فترة المهمة، ضحّيتُ بحياتي العائلية لأدخل عائلة أخرى… عائلة لو أرادت قتلي، لفعلت ذلك دون تردد.
أنا جوزيف د. بيستون ، أسرد لكم قصتي: قصة عميل فيدرالي كُلّف بمهمة سرية لاختراق المافيا، مهمة بلغت من السرية حدّ أن معظم عناصر الـFBI لم يكونوا يعرفون هويتي الحقيقية. كانوا يظنونني واحدًا منهم، إذ لم يكن على علم بعملية دوني براسكو سوى قلة قليلة من الرجال.

يجري في عروقي دمٌ صقلي وكالابري، فجداي ينحدران من إيطاليا. غير أنني وُلدتُ في بنسلفانيا، في السابع عشر من سبتمبر عام 1939. قضيتُ هناك جزءًا من طفولتي، ثم انتقلتُ مع والديّ وأخي وأختي الصغيرين للعيش في نيوجيرسي. في المرحلة الثانوية، كنتُ شغوفًا بكرة السلة. لم أكن أطول من مترٍ وثمانين سنتيمترًا، لكنني امتلكت قفزة جيدة أهّلتني للانضمام إلى الفريق الرديف لمنتخب ولاية نيوجيرسي. لم أكن موهوبًا بما يكفي لأصبح محترفًا، فكانت الرياضة بالنسبة لي وسيلة لدخول الجامعة.
في الجامعة، درستُ العلوم الاجتماعية، وبعد عامين تزوجتُ. كنت في العشرين من عمري، وكانت زوجتي تعمل ممرضة. لم يكن في عائلتي أي شرطي، ومع ذلك حلمتُ منذ الصغر بأن أصبح شرطيًا أو عميلًا فيدراليًا. في سنتي الجامعية الأخيرة، قرر أحد أصدقائي التقدّم لاختبار الالتحاق بالشرطة، وأصرّ أن أتقدم معه. وافقتُ على مضض… ونجحتُ بسهولة في الاختبارات الكتابية والبدنية. طلبتُ العمل بدوام جزئي، لكن العرض سُحب في اللحظة الأخيرة، فرفضتُ الانضمام إلى الشرطة آنذاك.
بعد تخرجي، عملتُ مدرسًا للعلوم الاجتماعية، وكان لديّ آنذاك ابنتان صغيرتان. ثم عرض عليّ صديق يعمل في الاستخبارات البحرية الأمريكية الانضمام إليهم، كانوا يوظفون مدنيين للتحقيق في الجرائم داخل قواعد البحرية والمارينز، ويتعاونون عن قرب مع الـ FBI. لم أتردد؛ فقد كان حلمي أن أصبح عميلًا فيدراليًا. اجتزتُ الاختبارات بنجاح، وأصبحتُ عميلًا في الاستخبارات البحرية. وفي تلك الفترة، وُلدت ابنتي الثالثة.
عملتُ هناك ثلاث سنوات، في قضايا المخدرات والسرقة والتجسس، وبعد أن لاقى عملي استحسان الـ FBI، تقدّمتُ لاختبار الالتحاق بهم. مرة أخرى نجحتُ، وفي 7 يوليو 1969 أقسمتُ اليمين كعميل خاص في الـ FBI. كان حلم الطفولة قد تحقق. عند دخولي المكتب، كنت أعلم أنني أريد العمل الميداني. بدأتُ في جاكسونفيل – فلوريدا، حيث تعاملتُ مع الفارّين من العدالة، وألعاب القمار غير الشرعية، وسرقات البنوك. نشأتي في الشارع سهّلت عليّ كسب الثقة وبناء العلاقات.
بعد 18 شهرًا، نُقلتُ إلى ألكسندريا – فرجينيا، ثم في عام 1974 أُرسلتُ إلى نيويورك للعمل في فرقة السرقات والاتجار بالممتلكات المسروقة. كنا نصادر يوميًا شحنات كاملة من البضائع المسروقة، وهناك طُرحت عليّ لأول مرة فكرة مهمة تسلل. كان الـ FBI يحقق في شبكة متخصصة بسرقة المعدات الثقيلة والسيارات الفاخرة، واحتاجوا إلى “خُلد” يتسلل إلى الداخل. الشرط كان بسيطًا: القدرة على قيادة الشاحنات والآليات الثقيلة. كنت من القلائل الذين يمتلكون هذه المهارة… فكنتُ الرجل المناسب و من هنا ظهر اسم دوني براسكو.

اخترتُ اسمًا مستعارًا: دونالد براسكو، وكانت تلك أول مهمة تسلل لي. انتهت العملية بنجاح تام: ثلاثون شخصًا أُلقي القبض عليهم، واستُعيدت سيارات مسروقة بأكثر من مليون دولار. كافأني المكتب بمكافأة مالية ورسالة توصية موقّعة من مدير الـ FBI نفسه، ومنذ تلك اللحظة تغيّر مسار حياتي المهنية. كان إدغار هوفر يعارض سابقًا مهام التسلل، لكنه زمنٌ ولّى، والآن أصبح الاختراق ضرورة لا غنى عنها.
في ربيع 1976، قررنا التسلل إلى كبار المتعاملين المرتبطين بالمافيا، واختارني المكتب مجددًا: لخبرتي، ولمعرفتي بالشارع… ولأنني إيطالي. للمرة الأولى، كان الـ FBI سيخترق المافيا عبر أحد رجاله. احتفظتُ باسم دونالد براسكو، وبنيتُ له ماضيًا: عاش في ميامي وكاليفورنيا، أعزب ويتيم، متخصص في سرقة المجوهرات. تدرّبتُ أسبوعين في متجر مجوهرات لأتقن الدور.
بعد الموافقة الرسمية من واشنطن، اختفيتُ عن الأنظار. لم يكن يعلم بالمهمة سوى قلة قليلة، حتى عائلتي لم تعرف الحقيقة. مُسحت آثاري من سجلات الـ FBI، أُفرغ مكتبي، وأُخفي ملفي في خزنة. ولو سأل أحد عني، لكان الجواب: لم يعمل هنا شخص بهذا الاسم قط. في سبتمبر 1976، غادرتُ مكتبي للمرة الأخيرة، وبدأتُ حياة جديدة… حياة تُعاش في الظل…
يتبع…