
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في ساعات الفجر الأولى من صباح الأحد الثامن من فبراير 2026، استيقظت مدينة بنسليمان على كابوس بيئي حقيقي حول شوارعها وأحياءها إلى بحيرات من المياه الجارفة. ساعتان فقط من الأمطار الغزيرة كانت كفيلة بإغراق مدينة بأكملها، في مشهد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول جاهزية السلطات المحلية لمواجهة الكوارث الطبيعية التي باتت تتكرر بشكل متزايد.

لم تكن هذه الكارثة وليدة الصدفة أو مجرد نتيجة لتساقطات مطرية استثنائية، بل هي محصلة طبيعية لغياب الجدية في التعامل مع التحذيرات المناخية والاستهانة بالطبيعة الفيضية للمدينة. فبنسليمان، بحكم موقعها الجغرافي ووجود عدد من الضايات في محيطها، تظل منطقة معرضة بشكل دائم لخطر الفيضانات، وهو ما يفرض على الجهات المسؤولة واجب الاستعداد المسبق والتخطيط المحكم لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.

بعد وقوع الكارثة، تحركت السلطات المختصة على رأسها السيد عامل الإقليم، واتخذت حزمة من الإجراءات التي وصفها كثيرون بالترقيعية والمؤقتة، حلول لا تعالج جذور المشكلة بقدر ما تحاول احتواء آثارها الآنية. لكن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المواطنون والمراقبون على حد سواء : أين كانت هذه الاستعدادات قبل وقوع الكارثة؟ ولماذا ننتظر دائماً حتى تقع الفاجعة لنبدأ بالبحث عن الحلول؟

التحقيقات الميدانية التي أجراها موقع “موطني نيوز” كشفت عن حقائق مقلقة تؤكد أن المياه لا تزال تتدفق نحو المدينة بقوة، وأن الإجراءات المتخذة لم تنجح في وقف هذا الزحف المائي. فقد تم توثيق مجرى واد قديم يصب بقوة في ضاية “بوبو”، قادماً من شعبة “الجمامرة” التي تخترق المدينة، فيما أكد سكان المنطقة وجود واد آخر محمل بالمياه قادم من جماعة الزيايدة، تحديداً من منطقة “سيدي عمر القدميري”. هذه المعطيات تشير إلى أن المشكلة أعمق مما تبدو عليه، وأن التعامل السطحي معها لن يفضي إلا إلى تأجيل الكارثة التالية.

الخبراء في الموارد المائية والبيئة يؤكدون حقيقة علمية لا جدال فيها : الماء له ذاكرة، ومهما حاول الإنسان تغيير مساره أو طمس معالمه، فإنه لا بد أن يعود إلى مجراه الطبيعي، طال الزمن أم قصر. هذه القاعدة الطبيعية تفرض على المخططين والمسؤولين ضرورة احترام المجاري المائية القديمة وعدم البناء عليها أو طمرها، لأن ذلك لا يعني القضاء على الخطر بل تأجيله فقط إلى حين. ووكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية تتحمل كامل المسؤولية في ما وقع للمدينة.

إن ما حدث في بنسليمان يجب أن يكون جرس إنذار للسلطات المعنية على جميع المستويات، فالتعامل مع الكوارث الطبيعية لا يمكن أن يقتصر على ردود الأفعال الآنية وتوزيع المساعدات العاجلة، بل يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تبدأ بدراسات هيدرولوجية معمقة، وتمر بتهيئة البنية التحتية للصرف الصحي ومياه الأمطار، وصولاً إلى وضع خطط للإنقاذ والإجلاء تكون جاهزة للتفعيل الفوري عند الحاجة.

العبرة الحقيقية من هذه الكارثة تكمن في كيفية تعامل السلطات المختصة مع التحديات المستقبلية، فالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم تجعل من هذه الظواهر المتطرفة أمراً متوقعاً ومتكرراً، والاستعداد الجيد لها لم يعد خياراً بل ضرورة حتمية لحماية الأرواح والممتلكات.

في انتظار أن تجد السلطات المختصة في هذا الإقليم الإستثنائي حلولاً جذرية ومستدامة لهذه المشكلة، يبقى على الساكنة أن تتوخى أقصى درجات الحيطة والحذر، وأن تبتعد عن منابع المياه وكل ما قد يشكل خطراً على سلامتها وممتلكاتها. فالوقاية تظل دائماً خير من ألف علاج، والتعاون بين المواطنين والسلطات هو السبيل الأمثل لتجاوز هذه المحنة بأقل الخسائر الممكنة.

المرجو الصغط هنا لمشاهدة هذا الفيديو والاطلاع على حقيقة الكارثة.