
بقلم الهادي اليمني – موطني نيوز
تُعدّ ظاهرة الزبونية والمحسوبية في التعيين في مناصب المسؤولية إحدى أخطر تجليات الفساد الإداري بالمغرب، لما لها من آثار عميقة لا تمس فقط بنجاعة المرفق العمومي، بل تمتد لتقويض الثقة في الإدارة ومؤسسات الدولة برمتها. فقلّما نجد إدارة أو مؤسسة عمومية خالية من هذا الداء، الذي أصبح، للأسف، ممارسة شبه عادية في بعض القطاعات، رغم ما ترفعه الخطابات الرسمية من شعارات الاستحقاق وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يثير الاستغراب أن نصادف أشخاصًا، ذكورًا كانوا أو إناثًا، يتولون تسيير مرافق عمومية دون أن تتوفر فيهم شروط الكفاءة المهنية أو القدرات التدبيرية اللازمة. غير أن خطورة الأمر لا تكمن في التعيين في حد ذاته، بل في ما يترتب عنه من سخط وامتعاض لدى المرتفقين والموظفين على حد سواء. وهو سخط لا يمكن اختزاله، كما يروج بعضهم، في الغيرة أو الحسد، بل يجد تفسيره الموضوعي في التداعيات السلبية المباشرة لهذه الظاهرة على جودة الخدمات العمومية وعلى السير العادي للمرافق.
فحين يُسند منصب مسؤولية إلى شخص وصل إليه عبر “مظلة” الزبونية والمحسوبية، غالبًا ما يكون أول ضحايا هذا التعيين هو المرفق العمومي نفسه. إذ تتعطل آليات القرار، ويغيب التخطيط الرصين، وتتراجع جودة الخدمات، في مقابل تفشي الارتجال والعشوائية. كما تتسم أجواء العمل بالتوتر والاحتقان، نتيجة غياب الثقة وتكريس الإحباط داخل المؤسسة.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من المسؤولين يكون، في الغالب، فاقدًا للثقة في نفسه، مدركًا في قرارة ذاته هشاشة موقعه وضعف مشروعيته المهنية. لذلك، يعيش في هاجس دائم من المقارنة مع الكفاءات والخبرات المتوفرة داخل المرفق. وبدل أن يستثمر هذه الطاقات ويحولها إلى رافعة للتطوير، يلجأ إلى منطق الإقصاء والتهميش، ويشن حربًا صامتة أو علنية ضد كل من يشعر أنه يشكل تهديدًا لموقعه.
في المقابل، يفتح هذا المسؤول أبواب القرب والامتياز لفئة من الموظفين المعروفين بالتملق والتزلف وضعف الشخصية، لا لشيء سوى لأنهم لا ينافسونه في الكفاءة ولا يحرجونه في الأداء. وهكذا تتحول الإدارة إلى فضاء لتكريس الولاءات الشخصية بدل المهنية، وتضيع معايير الاستحقاق، ويُعاقَب المجتهد ويُكافَأ الانتهازي.
ولا يقتصر ضرر الزبونية والمحسوبية على الحاضر فقط، بل يمتد أثره إلى المستقبل، إذ تُفقد الإدارة قدرتها على إنتاج نخب كفؤة وقادرة على تحمل المسؤولية، ويترسخ لدى الأجيال الصاعدة إحساس قاتل بأن الاجتهاد والعمل الجاد لا جدوى منهما في ظل غياب تكافؤ الفرص.
إن محاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر الشعارات أو النصوص القانونية وحدها، بل تقتضي إرادة سياسية حقيقية، وتفعيلًا صارمًا لآليات الشفافية والمحاسبة، وربط التعيين في مناصب المسؤولية بمعايير واضحة وقابلة للتتبع والتقييم. فإصلاح الإدارة يبدأ، بالأساس، من تطهيرها من منطق الزبونية والمحسوبية، وإعادة الاعتبار للكفاءة باعتبارها الشرط الأول لأي مسؤولية عمومية.