
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في عالم السياسة الحديثة، حيث تتحول الأرقام إلى سلاح ذي حدين، يأتي تقرير المجلس الأعلى للحسابات ليضع النقاط على الحروف في ملف كان يُفترض أن يشكل قصة نجاح تُروى للأجيال. ورش التغطية الصحية الشاملة، ذلك المشروع الذي قُدم باعتباره تجسيداً حياً لمفهوم الدولة الاجتماعية، يجد نفسه اليوم تحت مجهر الأرقام الصادمة التي لا ترحم، أرقام تكشف أن المسافة بين الوعد والإنجاز قد تكون أطول مما كنا نتصور، وأن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش باتت واسعة لدرجة يصعب معها الاستمرار في تجاهل الحقيقة أو تأجيل المساءلة.
عندما يكشف تقرير رسمي أن أكثر من أحد عشر مليون مغربي، يمثلون قرابة ثلث الساكنة، لا يزالون خارج أي شكل من أشكال الحماية الصحية، فإن الأمر يتجاوز كونه مجرد خلل تقني أو تأخر إداري عابر. إنه يضعنا أمام أزمة مصداقية حقيقية، أزمة تطال جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. فكيف يمكن الحديث عن تعميم غير مسبوق بينما الواقع يقول إن جزءاً كبيراً من هذا التعميم لم يتجاوز حدود الوثائق الرسمية والتصريحات الإعلامية؟ وكيف يستقيم الخطاب الترويجي مع معطيات تؤكد أن مليوناً ونصف المليون من المأجورين فقدوا حقهم في التأمين الصحي، إما بسبب عجزهم عن دفع الاشتراكات أو بسبب تقصير المشغلين؟
المفارقة تكمن في أن الحكومة التي راهنت على الإصلاح الاجتماعي كورقة رابحة في معركة استعادة الثقة، تجد نفسها اليوم مضطرة للدفاع عن اختيارات كان يُفترض أن تكون مصدر فخر. الانتقال من خطاب الإنجاز إلى خطاب التبرير ليس مجرد تحول في الأسلوب الإعلامي، بل هو مؤشر على تحول أعمق في موازين القوى بين السلطة والمجتمع، وبين الوعد والإمكان. فعندما يعترف المسؤولون بأن الإصلاح يحتاج إلى وقت، وأن الاختلالات طبيعية في أي مشروع كبير، فإنهم في الحقيقة يعترفون ضمنياً بأن التخطيط لم يكن بالدقة المطلوبة، وأن التنزيل واجه صعوبات لم تكن محسوبة بشكل كافٍ.
الأرقام التي قدمها المجلس الأعلى للحسابات لا تكتفي بتعرية الفجوة بين الهدف والإنجاز، بل تضيء على إشكالية بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة المنظومة الاقتصادية والاجتماعية برمتها. فحين يكون الهدف إدماج أحد عشر مليون شخص ضمن نظام التأمين الخاص بالعمال غير الأجراء، لكن المسجلين فعلياً لا يتجاوزون ثلاثة ملايين وربع، أي أقل من ثلث الهدف، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط عن فعالية الآليات المعتمدة، بل عن واقعية الأهداف ذاتها. هل كانت هذه الأرقام مبنية على دراسات ميدانية دقيقة، أم أنها كانت مجرد تقديرات متفائلة هدفها إبهار الرأي العام وكسب نقاط سياسية؟ وعندما لا يتجاوز تحصيل الاشتراكات سبعة وثلاثين في المائة في بعض الأنظمة، فإن الحديث عن استدامة مالية يصبح أقرب إلى التمني منه إلى التخطيط الجدي.
في المقابل، يبرز تقرير المجلس مفارقة أخرى لا تقل دلالة، وهي التوسع اللافت في نظام أمو تضامن الذي يستفيد منه أكثر من أربعة عشر مليون شخص، متجاوزاً العدد المستهدف أصلاً. هذا التوسع، رغم ما يحمله من إيجابيات على المستوى الإنساني المباشر، يكشف عن حقيقة مقلقة مفادها أن شريحة واسعة من المغاربة لا تزال عاجزة عن الاندماج في سوق الشغل المنظم، وأن نظاماً كان من المفترض أن يكون مؤقتاً بات ملاذاً دائماً لملايين المواطنين الذين يعيشون على هامش الدورة الاقتصادية الرسمية. هذا الواقع يطرح أسئلة جوهرية حول نموذج التنمية المعتمد، وحول قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل لائقة تمكّن المواطنين من الخروج من دائرة الهشاشة والاعتماد على الدعم الحكومي.
لكن الأكثر إثارة للقلق في التقرير هو ما يكشفه عن بنية الإنفاق داخل المنظومة الصحية. فعندما يذهب واحد وتسعون في المائة من إجمالي النفقات المفوترة إلى القطاع الخاص، مقابل تسعة في المائة فقط للقطاع العام، وعندما تُصرف تسعة وسبعون في المائة من نفقات أمو تضامن في المصحات والعيادات الخاصة، فإننا أمام خيار استراتيجي غير معلن لكنه واضح المعالم، خيار يقوم على تمويل عمومي لخدمة يغلب عليها الطابع الخاص. هذا النموذج المزدوج يحرم المستشفيات العمومية من موارد مالية ضرورية لتطوير خدماتها وتحسين جودة العرض الصحي، ويجعلها أكثر اعتماداً على الدعم المباشر من الميزانية العامة، في حين يضمن للقطاع الخاص تدفقاً مالياً مستمراً ومضموناً من الأموال العمومية. إنه نموذج يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية حول الأولويات الحقيقية للإصلاح، وحول من هو المستفيد الفعلي من هذه المنظومة.
في السياق السياسي الراهن، ومع اقتراب موعد الانتخابات، تكتسب هذه المعطيات أهمية مضاعفة. فالحكومة التي راهنت على ربط المؤشرات الاقتصادية الكلية بتحسن المعيش اليومي للمواطنين، تجد نفسها اليوم في موقف دفاعي، مضطرة لتفسير الفجوة بين الوعود والإنجازات، وبين الخطاب والواقع. وعندما يأتي تقرير من أعلى هيئة رقابية في البلاد ليؤكد أن ملايين المغاربة لا يزالون خارج دائرة الحماية الصحية، فإن فجوة الثقة تتسع، والمواطن البسيط يجد نفسه أمام منظومة قيل له إنها شاملة وعادلة، بينما الأرقام الرسمية تؤكد أنها ما تزال انتقائية وهشة.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات لا يقدم مجرد تشخيص تقني لمشاكل إدارية يمكن تجاوزها بمزيد من الوقت والجهد، بل يضع الإصلاح الاجتماعي برمته أمام اختبار سياسي وأخلاقي حقيقي. إنه يدعونا إلى إعادة النظر في منطق الإصلاح ذاته، وفي الأسس التي بُني عليها، وفي الأولويات التي حكمت خياراته. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المستفيدين أو بحجم الميزانيات المرصودة، بل بقدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية، وعلى ضمان كرامة المواطن، وعلى بناء منظومة مستدامة تصمد أمام التحديات الحالية والمستقبلية. وما لم تستوعب السلطات هذا الدرس، فإن الأرقام الصادمة التي نقرأها اليوم ستظل تتكرر غداً، والفجوة بين الحاكم والمحكوم ستستمر في الاتساع، وثقة المواطن في قدرة الدولة على الوفاء بوعودها ستبقى في تراجع مستمر.