
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في زمن باتت فيه الكلمة الحرة جريمة، والصوت المستقل تهمة، وحيث تُحاك المؤامرات في الخفاء ضد من يجرؤ على قول الحقيقة، تتكرر المشاهد ذاتها بوجوه مختلفة. تماماً كما حدث مع الصحفي المتميز حميد المهداوي، حين إجتمعوا عليه في المجلس الوطني للصحافة ساعين للإطاحة به، ناسين أو متناسين أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن الله خير الماكرين.
في مقهى من مقاهي المدينة، لا في قاعة اجتماع رسمية ولا في مكتب يليق بالمسؤولية العمومية، اجتمع بعض المسؤولين ومن يدورون في فلكهم. حين علمت بالاجتماع، خالجني الأمل أن يكون لمناقشة أوضاع المدينة المتردية، للتصدي للبناء العشوائي الذي شوّه معالمها، لمعالجة ظاهرة احتلال الملك العمومي التي صارت قاعدة لا استثناء، لإنهاء مشهد الكلاب الضالة والبهائم الشاردة وقطعان الأغنام والماعز التي حولت الأزقة والأحياء إلى مراعٍ مفتوحة تنتهك كرامة الساكنة وتسلب المدينة رونقها.
ظننت أن الضمير المهني قد استيقظ، وأن القسم الذي رفعوه أمام الله وأمام الملك قد تحرك في نفوسهم، ذلك القسم الذي يلزمهم بخشية الله في عباده والسهر على مصالح رعايا جلالة الملك. تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، وحسبت أن المسؤولية قد أثقلت كواهلهم فدفعتهم للعمل. لكن هيهات، فكيف لمن يسمح بتجارة الخمور، وهو يعلم علم اليقين أنها أم الخبائث وإحدى الكبائر السبع، أن يقيم وزناً لمعاناة الناس أو يحترم حرمة دينهم؟
لكن الحقيقة المرة كانت أن اجتماعهم لم يكن إلا لتدبير مكيدة ضد صوت الحق والإعلام النظيف، مكيدة ضد “موطني نيوز” ستُضاف إلى سجلهم الحافل بالإنجازات التي ستخلدها ذاكرة المدينة، تلك الإنجازات التي سيذكرها الصغير قبل الكبير بمرارة السنين. وفي المقابل، تبقى ذاكرة الناس حافظة لمواقف الشرفاء، كما تحفظ موقف السيد الباشا السابق حسن بوكزور، المتواجد حالياً بالصويرة، الذي تحدى المال والنفوذ، بل تحدى حتى رئيسه العامل، ورفض الترخيص لمحل بيع الخمور، رافضاً أن يكون شريكاً في الاتجار بمعاناة الساكنة. ذلك الموقف النبيل الذي يُحسب في ميزان حسناته، حين طرد صاحب المحل الذي جاءه في سيارة فاخرة من نوع “رنج روڤر” وحقيبة سيارته مملوءة بالمال، فلم تغره الدنيا ولم تلن له قناة.
أقول اجتمعوا على الكذب والضلال، يوزعون الاتهامات بالباطل من قبيل التشهير والابتزاز وتحريض الرأي العام، واللائحة تطول. حينها تأكدت أن المسؤول الذي لا يخشى الله في السر والعلن، لا يمكن أن يقيم وزناً لعباده مهما ادعى من مسؤولية أو تظاهر بالحرص. لم يستوعبوا معنى العبارة الإيمانية الراسخة التي تذكّر بأن العدل المطلق يتحقق حيث لا محاباة ولا وساطة : “وعند الله تجتمع الخصوم”.
مدير النشر في موطني نيوز ليس مسؤولاً عمومياً ولا آمراً بالصرف، لم يؤدِ قسماً أمام الله وأمام الملك بالسهر على شؤون الرعية، ولا يتقاضى أجراً من المال العام. لكنه يحمل في صدره ضميراً حياً لا يساوم على الحق، وقلماً لا ينحني إلا لله في إطار أخلاقيات المهنة. ننوه حتى لا نبخس الناس أشياءهم، وننتقد حتى نقوم الإعوجاج ولم يسبق لي الانبطاح أو كنت شاهد زور، لذا لن أتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، وملف “الخمور” الذي أصابكم في مقتل وقضّ مضاجعكم سيبقى حاضراً، لا نكاية فيكم ولا تحدياً، بل لأنها مسألة ضمير ومسؤولية أمام الله. ذلك الضمير الذي يفتقر إليه الكثيرون. فأنا لن يحاسبني رب العباد عن راتب شهري أتقاضاه من جيوب عباده، بينما أنتم ستُسألون عن كل درهم وعن كل قرار وعن كل صمت وكل تراخي. قال رسول الله صل الله عليه وسلم : (فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قالَ : كيفَ إضَاعَتُهَا؟ قالَ : إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.)
إن الذين يحاربون الحقيقة بالدسائس والخبث، ويحاولون إسكات الأصوات الحرة بالتهديد والوعيد، إنما يحفرون قبورهم بأيديهم، وينسجون أكفانهم بخيوط مكرهم. فالتاريخ لا يرحم، والناس لا تنسى، والله لا يغفل. وسيأتي يوم تنكشف فيه الحقائق، وتسقط الأقنعة كما هو الوضع اليوم، ويقف كل امرئ أمام ما قدمت يداه. حينها لن تنفع الحجج الواهية، ولن تشفع المناصب الزائلة، ولا الهواتف النقالة و لا حتى من تختفون خلفهم، ولن يُقبل عذر من أولئك الذين باعوا الأمانة بثمن بخس وتاجروا بمعاناة الناس واستخفوا بالمسؤولية.
وليعلم الذين يمكرون بأصحاب الكلمة الحرة أن الله قد حذرهم في محكم تنزيله، فقال عز من قائل : ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾.
لكن للأسف قلوبهم غلف يملؤها الحقد والضغينة هما أمراض القلوب الفتاكة، ويعرفان أصحابها بإضمار العداوة والبغضاء في الصدور، والتربص للآخرين بانتظار فرص الانتقام. متجاهلين قول الله عز وجل في سورة الأنفال الآية 30 ﴿وَإِذۡ یَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِیُثۡبِتُوكَ أَوۡ یَقۡتُلُوكَ أَوۡ یُخۡرِجُوكَۚ وَیَمۡكُرُونَ وَیَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِینَ﴾.