إيش إيش..عندما تتحول السلطة إلى أداة للانتقام بدل الإصلاح

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في مشهد بات مألوفاً في جغرافيتنا، يتكرر اليوم في مدينة بنسليمان سيناريو مكتمل العناصر من مسرحية القمع وتكميم الأفواه البائسة. المشهد لا يعكس حرصاً على حماية المصلحة العامة أو سعياً لإصلاح اختلالات واقعة وموجودة بالتقسيط وبالجملة، بل هو تجسيد صارخ لسياسة “التشيطين”، ذلك الأسلوب الذي حوّل الإدارة من أداة خدمة إلى أداة ردع، ومن آلية للإصلاح إلى سلاح للإسكات في دولة الحق والقانون والحريات.

في قلب هذا المشهد، يجتمع صناع القرار المحليون، ليس لفتح أبوابهم أمام شكاوى المواطنين وحلها، ولا لدراسة الملفات الشائكة التي تثقل كاهل المدينة، بل ليغلِقوا باب اجتماعاتهم على أنفسهم، مُوجهين سهامهم نحو صوت صحفي وحيد، موقع “موطني نيوز”. الفعل ليس تصحيحاً لمسار، بل هو محاولة يائسة لكسر قلم، وتكميم لفم يجرؤ على قول ما لا يريدون سماعه.

السلطة هنا لا تواجه المضمون، بل تُحاكم الجرأة. لا ترد على ما يُكشف من فوضى أو فساد أو اختلالات تُناقش في الساحة العامة، بل تلجأ إلى أقصر الطرق وأكثرها (…) وهي استغلال النفوذ، وتحريك المعارف، وتوظيف “الأرقام الهاتفية” في دهاليز المؤسسات، لتقديم شكاية جنائية. الهدف واضح تحويل الصحفي من مراقب وموثق وفاعل في المجتمع إلى متهم، وتحويل الفساد والفوضى الذين كانا يجب أن يكونا في قفص الاتهام، إلى طرف متحكم يقبض على يد القضاء.

هذه الآلية ليست جديدة. ظلّت تتكرر كالنشاز في سيمفونية الوطن، وتذكّرنا بما تعرض له زملاء آخرون، مثل الصحفي حميد المهداوي. إنها ضربة مباشرة لجوهر الدستور المغربي، وخاصة فصله الثامن والعشرين الذي يضمن حرية التعبير والصحافة. وهو ضرب لا يتم بعنف مرئي، بل بتوظيف القانون نفسه كغلاف لقتل الحق. عندما تُسخر المؤسسات لإسكات النقد، فإنها لا تقتل صوتاً واحداً، بل تخنق ثقة مجتمع بأكمله في إمكانية الإصلاح والمساءلة.

فالرسالة التي ترسلها هذه السلوكيات واضحة، النقد غير مرغوب فيه، والفضح جريمة، والصحافي الملتزم مزعج يجب “شيطنته”. لكن التاريخ، وشواهد الواقع في كل مكان، يثبتان أن إغلاق الأبواب لا يحل المشاكل، بل يدفنها لتنفجر لاحقاً بشكل أعنف. وأن محاربة الصحافيين والمراسلين لا تمحو الفساد، بل تزيده استشراءً تحت غطاء الصمت.

بنسليمان اليوم، الاختبار ليس اختبار موقع إخباري، بل هو اختبار لدولة القانون. هل تتحول النيابة العامة إلى ساحة لتسوية حسابات السلطة مع منتقديها، أم تظل حصناً للمساءلة القانونية النزيهة التي تحمي الجميع؟ هل يُسمح للصحافة أن تؤدي دورها كرافعة للإصلاح والرقي، أم ستُحاصر بأبواب مغلقة وشكايات انتقامية؟ تحت شعار : “إما أن تطبل لنا أو اعتبر نفسك عدوا لنا!”.

المواطنون في بنسليمان، وفي كل المدن المغربية، يراقبون. ليسوا بحاجة إلى عناوين فرعية لفهم الدرس. فصوت الباب المغلق، وصمت الاجتماعات المظلمة، وصدى خطوات النفوذ في أروقة القضاء، أبلغ من أي بيان. إنه صوت الانتكاس للحق، وصوت الخوف من الحقيقة. وهو الصوت الذي، رغم كل المحاولات، لن يتمكن أبداً من إسكات صوت الشارع، ووعي الناس، وإصرار من يرفضون أن يكون الوطن غرفة مغلقة لأحد.

ومن يدعي أن مدينة “السيبة” بنسليمان لا تعيش أحلك أيامها انطلاقًا من احتلال الملك العمومي، مرورًا بالبناء العشوائي، وانتهاءً بظواهر الكلاب الضالة والبهائم الشاردة وقطعان الأغنام والماعز والأبقار، فعليه أن يثبت العكس.

المهم الذي يجب أن يعرفه الأحرار والحرائر أن السلطة المحلية في مدينة “السيبة” و”الفساد” تريد معاقبتي عبر تهديدي بالمتابعة القضائية بسبب فضحي لملف محل “بيع الخمور” الذي كان سيمر في دهاليز الفساد، لكن هيهات لقد إفتضح أمركم والتاريخ هو من سيكتب أسماءكم وهو من سيخلدها لتبقى راسخة في أذهان المواطنين. والله العظيم لقد تركتم بصمة في مساركم المهني وإرثًا سيتحدث عنه الناس، الترخيص لـ”مول الشراب” وفي شهر شعبان، فهنيئًا لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!