
المصطفى الجوي – موطني نيوز
أمام التحديق المباشر لسلطات مدينة بنسليمان، تتكشف فصول قضية المحل التجاري بحي المنزه ببطءٍ يثير الدهشة والاستفهام. بينما لا تزال الجدل حول طبيعة النشاط التجاري المزمع والترخيص له محتدمة بين رفض الأمن الوطني وإصرار ظاهر من السلطة المحلية، برز عنصرٌ جديدٌ أكثر خطورة يتعلق بتجاوزات صارخة في مجال التعمير وضربٍ علنيٍ للقوانين المنظمة للبناء.
فحسب الوثائق والمعطيات الرسمية، فإن تغيير ملامح المحل التجاري تم بشكلٍ يعاكس تماماً التصميم الهندسي الأصلي المعتمد لدى مصالح الجماعة. التصميم المعتمد يُظهر واجهة تتضمن نوافذ، وهي جزءٌ أساسي من المواصفات الفنية المعتمدة في رخصة البناء. إلا أن ما تم إنجازه على الأرض هو إغلاق كامل لهذه النوافذ، مما يشكل تغييراً جوهرياً في الواجهة والتصميم، وبالتالي مخالفةً واضحةً لنصوص قانون التعمير والضوابط الجاري بها العمل.

هذا التغيير ليس شكلياً بسيطاً، بل هو تعدٍّ يستدعي إجراءً إدارياً وقانونياً محدداً ومعروفاً “تسوية الوضعية” عبر الحصول على “شهادة المطابقة”. وهو إجراء لا يمكن تجاوزه أو تجاهله. المسطرة واضحة ولا لبس فيها، يتقدم صاحب المشروع بملفٍ متكامل إلى قسم التعمير بالجماعة الترابية، يتضمن طلباً خطياً، ونسخاً من الوثائق الشخصية، والتصميم الأصلي ورخصة البناء، بالإضافة إلى تصميم “كما تم إنجازه” موقع من مهندس معماري، وشهادة نهاية الأشغال، وشهادة توطين من مهندس مساح. يتم إيداع هذا الملف عبر المنصة الإلكترونية “رخصة” ليتم دراسته والتأكد من أن التعديلات محترمة لوثائق التعمير وضوابط البناء والتهيئة.
التحريات الدقيقة والمتكررة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن صاحب المشروع المثار حوله الجدل، لم يقم بتقديم أي طلب من هذا القبيل، ولم يُودع أي ملف لتسوية الوضعية لدى مصالح جماعة بنسليمان. بمعنى آخر، تم تنفيذ أشغال تغيير الواجهة بشكلٍ عشوائيٍ كامل، خارج الإطار القانوني، ودون الحصول على الموافقات الإدارية اللازمة.

هنا يتحول سؤال المسؤولية من صاحب المشروع الفرد إلى السلطات المكلفة بالمراقبة والضبط. فالسلطة المحلية، ومصالحها المختصة في التعمير، والشرطة الإدارية التابعة لها، أصبحت على علمٍ يقينيٍ بهذه المخالفة البينة. وجود التصميم الأصلي في أرشيفها، وإمكانية المعاينة الميدانية البسيطة التي تؤكد إغلاق النوافذ المخالف للتصميم بل وصباغة الجدران الخارجية للتمويه، يجعل من الصمت والإهمال في هذه الحالة موقفاً غير مبرر. القانون يلزمها بوضوح باتخاذ الإجراءات الرادعة، والتي تبدأ بالإنذار وتصل إلى فرض الغرامات وصولاً إلى الأمر بهدم البناء العشوائي المخالف احتراما للقانون.
إن السكوت عن هذه المخالفة رغم الكم الهائل من الشكايات والعرائض ليس إغفالاً إدارياً عادياً، بل هو رسالة خطيرة تفتح الباب أمام الفوضى في مجال التعمير، وتُعمّق الشعور بعدم المساواة أمام القانون. وهو ما يطرح تساؤلاتٍ محرجةً عن طبيعة العلاقة بين صاحب هذا المشروع والسلطات المحلية، وعن سبب هذه الحصانة الظاهرة. هل يعتقد صاحب المشروع أنه فوق القانون؟ أم أن هناك من يضعفه ويمكنه من تجاوز النظام؟

فالمشهد في بنسليمان لم يعد يحتمل الصمت. فالموضوع تجاوز مرحلة الشائعات والإشاعات إلى مرحلة المخالفة المادية المثبتة. على السلطة المحلية والشرطة الإدارية أن تتحملا مسؤوليتهما الكاملة، وأن تخرجا من دائرة التماطل والغموض. المطلوب إجراء واضح وفوري، تطبيق القانون دون مواربة أو محاباة. فإما تسوية وضعية المحل عبر المسطرة القانونية إن كانت التعديلات قابلة للتسوية، أو اتخاذ الإجراء الزجري المناسب ضد المخالفة. أي خيار آخر غير ذلك سيكون اعترافاً صريحاً بوجود معايير مزدوجة، وتآكلاً خطيراً لمصداقية المؤسسات ورهان الدولة على سيادة القانون. الوقت يدق، والعيون تراقب، والثقة تتهاوى مع كل يوم يمر دون فعل حاسم.
وللموضوع بقية…