
المصطفى الجوي – موطني نيوز
شهدت دورة المجلس الإقليمي لبنسليمان الأخيرة مشهداً نادراً ما يتكرر في اللقاءات الرسمية، حيث تحولت لغة المجاملة المعتادة إلى خطاب صارم و تحليلي عميق ألقاه السيد الحسن بوكوتة، عامل الإقليم. لم يكن تدخل العامل مجرد توبيخ عابر، بل كان تشخيصاً دقيقاً ومفصلاً لاختلالات تدبير المال العام والمشاريع التنموية، خاصة في قطاع الطرق، مما وضع المنتخبين أمام مسؤولياتهم التاريخية والقانونية. وقد استهل العامل بوكوتة تدخله بعبارة لم تترك مجالاً للشك في طبيعة موقفه، حيث أعلن بحدة : “أنا هنا أمثل جلالة الملك، ولا يشرفني وأنا أجلس بينكم أن أرى المال العام يضيع”. هذه العبارة لم تكن مجرد تذكير بالصفة الرسمية، بل كانت تأطيراً سياسياً وأخلاقياً لخطابه، إذ ربط ضياع المال العام مباشرة بهيبة الدولة ومسؤولية السلطة الإقليمية في الحفاظ على ثقة المواطنين، داعياً إلى القطع مع ما أسماه “الكلام الخاوي” و”الثنائيات العقيمة” داخل المجلس، وموجهاً البوصلة نحو الهدف الأسمى المتمثل في خدمة رعايا صاحب الجلالة وتحقيق التنمية الحقيقية .
إن الخلفية الهندسية للعامل بوكوتة كانت واضحة في صلب انتقاداته، حيث تجاوز الخطاب الإداري العام إلى التفاصيل التقنية التي كشفت عن وجود هدر ممنهج للموارد. فقد انتقد العامل بشدة منطق “الترقيع” في إصلاح الطرق، الذي يتم بموجبه برمجة نفس المقاطع الطرقية سنوياً دون نتيجة مستدامة، لتتلف مجدداً مع أول تساقطات مطرية. وقدم العامل مثالاً صارخاً يلخص عمق الاختلالات في إعداد المشاريع، مشيراً إلى أن ميزانية مخصصة لإنجاز أربعة كيلومترات من التزفيت لا تخرج في النهاية سوى بكيلومترين فقط. هذا التباين بين الميزانية المعتمدة والإنجاز الفعلي لا يمثل مجرد سوء تقدير، بل يطرح تساؤلات جدية حول شفافية ودق الدراسات التقنية المنجزة قبل البرمجة. وبصفته مهندساً، أكد بوكوتة أنه يدرك جيداً تفاصيل إعداد المشاريع، مشدداً على أن الإشكال ليس دائماً في نقص الموارد، بل في سوء التخطيط والتقديرات العشوائية التي يجب أن تنتهي فوراً.
ولم يتوقف العامل عند التشخيص، بل لوّح بخطوات عملية وحازمة، مشيراً إلى أن المشاريع التي صوّت عليها المجلس الإقليمي تستوجب الإحالة على التفتيش. هذا التلويح يضع الكرة في ملعب المحاسبة، ويجعل من خطاب بنسليمان نقطة تحول محتملة في تدبير الشأن المحلي بالإقليم. ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة : هل ستُترجم هذه الخرجة القوية إلى قرارات ملموسة على أرض الواقع؟ إن الواقع يفرض أن مثل هذه التصريحات، في غياب إجراءات عملية واضحة وفتح تحقيقات فعلية تربط المسؤولية بالمحاسبة، قد تتحول إلى مجرد خطاب للاستهلاك الإعلامي. إن التنمية المستدامة التي ينتظرها مواطنو إقليم بنسليمان، خاصة في الدواوير والمناطق المهمشة، لا يمكن أن تتحقق إلا بوضع حد لـ”الضحك على الذقون” الذي يضيع معه المال العام وتتأخر معه عجلة التنمية التي ينشدها الجميع.
للإطلاع على مضامين كلمة عامل إقليم بنسليمان المرجو الضغط هنا.