بنسليمان : العدالة الانتقائية للسلطة المحلية هدم للامتثال وحماية للمخالف (وثيقة)

السيد الباشا رفقة اعوان السلطة و عناصر القوات المساعدة بالشارع العام

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في مدينة بنسليمان، تُنسج خيوط التعامل الرسمي مع المواطنين بخيط مزدوج: خيط من الصرامة الانتقائية يخنق من يلتزم، وآخر من التساهل المُريب يغذي من يخالف. لطالما أبرزنا في “موطني نيوز” هذه الآلية الميزاجية في تسيير الشأن المحلي، حيث يُحَوَّل القانون من ضامن للحقوق إلى أداة قمع حينًا، وورقة تُطوى باتفاق حينًا آخر. اليوم، نُسلط الضوء على ملف يفضح هذه الازدواجية بشكل صارخ: ملف احتلال الملك العام والبناء العشوائي، من خلال نموذجين حيّين لحديقتين مُرَخَّصتين.

ففي الحي الحسني، حصل السيد “محمد العبوري” على ترخيص تحت رقم 05/2018، ليقيم حديقته وفق الشروط المحددة. ومع ذلك، وجد نفسه في السنة الماضية أمام آليات الهدم التابعة للسلطة المحلية التي بررت فعلتها بأن الترخيص على الملك العام ممنوع. قرارٌ نُشيد بصرامته الظاهريّة، لو لم يكن جزءًا من معادلة مُشوّهة.

الحديقة المرخصة التي تم هدمها رغم احترامها للقانون

ففي الجانب الآخر من المدينة، في حي كريم، تُروى حكاية مختلفة تمامًا. فهناك، تقف حديقة مُرخّصة تحت رقم 43، أُقيمت في عزّ الحملة الانتخابية قبل أيام من تثبيت رئيس الجماعة أقدامه سنة 2021. رغم شكايات المتضررين المتواصلة منذ 2024، ووجودها فوق الملك العام، فإن هذه الحديقة لم تُهدم. بل زاد الأمر غرابةً عندما صرح رئيس الملحقة الإدارية الثالثة للمتضررين : “أنا منقدرش نريب جردة مرخصة”، متوقفًا عند صفة “الترخيص” وهي مناورة تحسب له دون التدقيق في مُلْحَقِه “الشروط”.

وهنا مربط الفرس. فالترخيص رقم 43 ليس وثيقة مطلقة، بل هو عقدٌ مُقيد بثلاثة فصول واضحة :

الفصل الأول : استغلال المساحة المطلوبة في حدود (2.00م 7.80Xم ) طبقا لتصميم تهيئة الحديقة المرفق لهدا الترخيص.

الفصل الثاني : إن الغرض من الترخيص هو تزييني فقط اذ لا يسمح للمستفيد استغلال المساحة لأي غرض.

الفصل الثالث : في حالة عدم احترام الشرطين المذكورين أعلاه أو في حالة المنازعة يسحب الترخيص دون إندار سابق ويمكن متابعة المخالف قضائيا.

الحديقة المرخصة التي لم يتم هدمها رغم مخالفتها للقانون

فتحديد مساحة الاستغلال بـ (2.00م × 7.80م)، وتقييد الغرض بالتزيين فقط، وسحب الرخصة في حالة عدم احترام الشرطين أو وجود “حالة المنازعة”.

فهل احترمت الحديقة هذه الشروط؟ الواقع يقول إن المساحة المحددة تجاوزت ذلك بكثير، والغرض تحول من التزيين إلى إقامة بناء عشوائي واحتجاز عدادَيْ الماء والكهرباء. والأهم، أن حالة المنازعة قائمة ومُثبتة بشكايات المواطنين ومنذ سنتين.

فنحن لا ننتقد هنا قرار الهدم في الحي الحسني، بل نطالب بتطبيق القانون ذاته بإنصاف وشمول. كيف تُهدم حديقة راعت شروط ترخيصها (ولو كان منع ترخيصها أصلاً هو الصواب)، وتُحفظ أخرى تنتهك شروط ترخيصها بوضوح؟ أين منطق العدالة الذي يفترض أن يكون أداة السلطة الأولى، وأين احترام “العقد شريعة المتعاقدين” الذي يُسقط الرخصة بمجرد اختراق شروطها؟

هذا هو التصميم المعترف به في بنسليمان والذي لم يطبق

نسائل رئيس الملحقة الإدارية الثالثة، ليس كخصم، بل كمُطالِبين بتطبيق القانون الذي يمثله : أمام تجاوز الفصل الأول الخاص بالمساحة، وخرق الفصل الثاني الخاص بالغرض، وانتفاء الفصل الثالث بوجود منازعة مُسجلة وعدم إحترام التصميم المرفق مع الطلب، ماذا تنتظر لسحب هذه الرخصة وتنفيذ ما يترتب على ذلك؟ أليس في امتناعك عن فعل ذلك إقرار ضمني بأن معيار التطبيق ليس نص القانون، بل هو اعتبارات أخرى تُفرِّق بين مواطن وآخر؟ 

هذه ليست قضية حديقتين فحسب، بل هي عينة تكشف عن خلل جوهري في منهجية العمل والتراخي في تطبيق القانون من قبلكم. إنها اختبار لمصداقية القرار الإداري وحياده. فالمواطن في بنسليمان يراقب، وهو يرى كيف أن “احترام القانون” يتحول إلى شعار مرن في عهدكم، يتمدد ويتقلص وفقًا للهوى والجهة. الساكنة تنتظر جوابًا واحدًا: هل ستهدم هذه الحديقة وغيرها المخالفة لشروط ترخيصها كما هُدمت سابقتها، أم أن “الجردة المرخصة” ستظل درعًا واقيًا للبعض في وجه العدالة التي يُفترض أن تكون عمياء؟ الجواب سيكتبه الفعل على الأرض، لا التصريحات والدسائس في المكاتب.

الأمور واضحة، عدم إحترام الفصول جميعها وعدم التقيد بالتصميم المرفق مع الطلب. فماذا أنت فاعل، يا معالي رئيس الملحقة الإدارية الثالثة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!