
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
صدرت مؤخرًا مقالات وتقارير إعلامية تدّعي عقد اجتماعات أممية في جنيف حول الصحراء المغربية، تزامنًا مع محاولات لإعادة إحياء خطاب انفصالي. وهذا يستدعي وقفة تحليلية عميقة لتفكيك الأسس التي تبنى عليها هذه الادعاءات، وفهم الثوابت التي تقوم عليها قضية وحدتنا الترابية.
الحديث عن “نزاع” أو “أطراف متصارعة” في سياق الصحراء المغربية هو، في جوهره، قبول بإطار سردي مُضلّل. فهو يفترض مسبقًا وجود تنازع على شرعية تاريخية، بينما الحقيقة تقول عكس ذلك. فالروابط القانونية والبيعة التي تربط قبائل الصحراء بسلاطين المغرب هي حقيقة سجلتها محكمة العدل الدولية. ما يحدث اليوم ليس نزاعًا على ملكية أرض مغربية أصيلة، بل هو استمرار لعمليات استعمارية سابقة تحاول الآن أن تتخذ أشكالًا جديدة، مدعومة بأجندات إقليمية تعكس صراعات الجيوبوليتيك وليس الحقوق التاريخية.
في مواجهة هذا الخطاب، لم يقدم المغرب مجرد ردود دبلوماسية تقليدية، بل قدّم نموذجًا استباقيًا فريدًا: مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية. هذا المشروع لم يكن رد فعل عابرًا، بل كان ثمرة رؤية استراتيجية عميقة. لقد فهم المغرب مبكرًا أن معركة الشرعية في عالم اليوم لا تُربح بالخطابات التاريخية وحدها، رغم صحتها، بل بتقديم حلول عملية متقدمة على عصرها. مشروع الحكم الذاتي المغربي هو نموذج “ما بعد حداثي” للحكم، يتجاوز منطق الدولة المركزية الصارمة ويقدم صيغة مرنة توفق بين سيادة الدولة وحقوق الإدارة المحلية، وهو ما تجهله أو تتجاهله الأطراف الأخرى التي لا تزال أسيرة خطاب تحرري من القرن العشرين.
لذلك، فإن الدعم الدولي المتصاعد للمغرب، المتمثل في فتح عشرات القنصليات في العيون والداخلة، ليس مجرد تحالف سياسي مرحلي. إنه، في تحليل أعمق، تصويت عالمي على جدارة النموذج. الدول التي أقدمت على هذه الخطوة لم تفعل ذلك فقط تضامنًا مع موقف سياسي، بل لأنها رأت في النموذج المغربي حلاً واقعيًا يوقف نزيف الصراعات الطويلة، ويحقق الاستقرار، ويقدم إجابة عملية لمعضلة “حق تقرير المصير” في عالم لم تعد فيه الدولة القومية بالصيغة التقليدية هي الحل الوحيد. إنه اعتراف بأن السيادة في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تكون مرنة ومشتركة، دون المساس بوحدة الأرض والشعب.
أمام هذه الحقائق، يظهر فقر الخطاب الانفصالي الذي تسوقه الجزائر، والذي يتعذر عليها الخروج من دوامة الخطاب الضحل. فهو يراهن على تجميد الزمن عند لحظة الصراع في سبعينيات القرن الماضي، ويعيد إنتاج شعارات بالية، بينما العالم من حوله يتقدم. هذا الخطاب لا يملك مشروعًا للمستوى، ولا رؤية اقتصادية، ولا نموذجًا للحكم يمكن أن ينافس جاذبية وعقلانية مشروع الحكم الذاتي. حيث تكمن قوته الوحيدة في استمرار دعم لوجيستي من جهات ترى في استمرار التوتر مصلحة لها، مما يكشف أن “القضية” في جوهرها باتت أداة في صراع نفوذ إقليمي، وليس تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة سكان.
وعليه، المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الروايات والنماذج. فالمغرب خاضها بذكاء استراتيجي، فانتقل من موقع المدافع إلى موقع صاحب المبادرة ومقدم الحل. لكن مقالات مثل التي نشرت في الإعلام الجزائري الحاقد ليست إلا صدى لرواية تتهاوى، تحاول الكابرنات في الجزائر وإعلامها الفاشل يائسةً إعادة البريق إلى خطاب فقد مصداقيته وجاذبيته. فالصحراء المغربية ليست “قضية” على طاولة النقاش، بل هي جزء من نسيج تاريخي وواقع معاش ومستقبل يُبنى. والمغرب، من خلال مشروعه الوطني المتماسك وثبات موقفه، لا يدافع عن رمال صحراوية فحسب، بل يدافع عن مبدأ أساسي : أن السيادة والوحدة هما القاعدة، وأن أي حديث خارج هذا الإطار ليس سوى ضجيجًا في مسار التاريخ الذي يسجل، يومًا بعد يوم، ترسخ أقدام المغرب على أراضيه كاملة.