ساعة الصفر…

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في عالمٍ يضج بالأحداث المتسارعة والتحولات الجيوسياسية الكبرى، يبدو أن ما نراه على شاشات الأخبار ليس سوى القشرة الخارجية لواقعٍ أعمق يُحاك في الغرف المظلمة، حيث لا مكان للصدفة في قاموس القوى التي تدير المشهد. إن التاريخ، كما يطرحه هذا التحليل العميق، ليس مجرد سلسلة من الحوادث العشوائية، بل هو عمارة دقيقة وتخطيط هندسي محكم يشرف عليه من يوصفون بـ “المعماريين” أو “المهندس الأعظم”. نحن اليوم نقف على أعتاب عام 2026، تلك اللحظة التي وُصفت بأنها “ساعة الصفر”، حيث من المتوقع أن تكتمل ملامح مخططات وُضعت لبناتها الأولى منذ عقود، لتعيد رسم خريطة المنطقة والعالم وفق رؤية لا تعترف بالحدود التقليدية أو السيادات الوطنية المعهودة.

تبدأ هذه الرحلة الهندسية من الأطراف، حيث تُعتبر النزاعات والحروب المستعرة في مناطق مثل السودان جزءاً من عملية “تطهير” وتفتيت لـ “الحجر الخام”. إنها نظرة قاسية لكنها تحليلية ترى في المآسي الإنسانية مجرد مرحلة ضرورية لإزالة الأنقاض القديمة تمهيداً لبناء هيكل جديد. فبينما تنشغل الأطراف بالصراعات، يرتفع البناء في المركز بخطى واثقة، حيث تتحول دول مثل السعودية ومصر إلى مراكز رقمية ومالية عالمية تتجاوز مفهوم الدولة التقليدية. مشروعات مثل “نيوم” والعاصمة الإدارية الجديدة ليست مجرد توسعات عمرانية، بل هي تجسيد لمراكز القوة الجديدة التي تدار بعقلية الشركات العابرة للقارات، حيث تتلاشى السيادة الوطنية تدريجياً لتفسح المجال لسيادة التكنولوجيا والتدفقات المالية الكبرى.

وفي هذا السياق، يبرز العراق كجسر حيوي يربط محافل التجارة العالمية، في تحول استراتيجي يعيد صياغة دوره من ساحة للصراع إلى ممر إلزامي للاقتصاد الجديد. أما دمشق، فتبدو وكأنها تخضع لعملية “صقل” دقيقة لتعود إلى “المحفل الدولي” بوجه جديد، يقوده من يُطلق عليه “الشارع” والمقصود هو “أحمد الشرع”، في إشارة إلى تحولات جذرية في بنية السلطة والاعتراف الدولي بدمشق. ولا يتوقف الأمر عند المشرق العربي، بل يمتد إلى شمال إفريقيا حيث يمثل المغرب والجزائر عمودي القوة والقرار، مع توجه واضح لحسم القضايا العالقة مثل ملف الصحراء المغربية لصالح “الممر الأطلسي”، وهو المشروع الذي يخدم الهيكل العالمي ويربط القارات وفق رؤية المعماريين الكبار.

إن هذا النظام العالمي الجديد لا يكتفي بإعادة رسم الجغرافيا، بل يغوص في أدق تفاصيل الحياة البشرية من خلال نظام “Oracle-Eye” أو “عين أوراكل”. في هذا العصر، انتهى زمن الخصوصية وبدأ عصر الانتظام المطلق والمراقبة الشاملة، حيث تصبح حياة الفرد مجرد نبضة رقمية في بيكار المهندس الأعظم. إنها هندسة لا تترك شاردة ولا واردة إلا وأحصتها، محولةً المجتمعات إلى وحدات منتظمة تعمل بدقة الساعات السويسرية. وفي نهاية المطاف، يضعنا هذا التحليل أمام تساؤل وجودي حول مدى استعدادنا لمواجهة هذه الحقيقة العارية، داعياً إيانا للنظر خلف الستار وترقب الكشف عن أسماء أولئك المعماريين الذين يمسكون بزمام المبادرة، مؤكداً أن الساعة قد دقت والميزان قد اعتدل، وما نحن فيه الآن ليس إلا اللمسات الأخيرة قبل إعلان اكتمال الهيكل في عام 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!