
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في قلب مدينة “السّيّبة” بنسليمان، تُكتب فصولٌ صارخةٌ من ازدواجية المعايير وانعدام المساواة أمام القانون. فبينما تُشدّد السلطات المحلية على دقائق التراخيص والمواصفات المفروضة على المحلات التجارية والمقاهي، وتُلزم أصحابها – تحت وطأة التهديد بالإغلاق – بتوحيد لون وشكل الواقيات الأمامية (“البيشان”)، ما يُكبّدهم خسائر مادية فادحة، نجدها في المشهد المقابل عاجزةً، بل ربما غير راغبة، في تطبيق نفس القانون على محلٍّ مثير للجدل يُشتبه في تخصصه ببيع المشروبات الكحولية. هذا المحل ينصب واقياً أمامياً مخالفاً تماماً للضوابط التي نُصبت باسم “التنظيم الحضري”، دون أي تحرك واضح يُذكر.

هذا التناقض الجليّ لا يطرح سؤالاً عن عدالة التطبيق فحسب، بل يكشف النقاب عن منطقٍ خفيٍّ يحكم العلاقة بين السلطة والمواطن، منطق القوة. يبدو أن “الطراكس” وقوانين التعمير حمّالة أوجه؛ تُطبق بصرامة وحزم على صغار التجار وأصحاب المحلات المتواضعة، الذين يفتقرون إلى المال والنفوذ، بينما تُعلّق عند عتبات من يملكون الجاه والوساطة. المبدأ الذي تُرفع له الشعارات – “سيادة القانون” – يتحول في الممارسة إلى أداة انتقائية لإخضاع الضعفاء وإرضاء الأقوياء.
النتيجة هي خسائر مادية مُرهقة لأصحاب المهن الصغيرة، وشعور عميق بالإجحاف والاحتقان بين الساكنة، التي لم تعد تنظر إلى هذه الإجراءات إلا كشكل من أشكال المضايقة أو الابتزاز المقنّع. وفي المقابل، يصمت الجميع أمام المحل المخالف، وكأنه بمنأى عن المساءلة، في مشهدٍ يوحي إما بعجز السلطة المرعوب، أو بتواطئٍ صامت، أو ربما بانحناء متعمّد أمام نفوذ لا يُرى.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : هل صاحب هذا المحل فوق القانون وفوق إرادة السلطة المحلية نفسها؟ أم أن هذه السلطة تتعمّد إظهار عجزها الانتقائي، في لفتةٍ قد تُفسّر على أنها استفزازٌ مبطّن للساكنة، لدفعها إلى الاحتجاج والضجيج، وبالتالي خلق ذريعة لتحركات أخرى أو لفت انتباهٍ إلى ما قد يكون خلف الكواليس من صراعات أو اتفاقات؟
الأمر لا يتعلق بمخالفة واقٍ أماميٍّ هنا أو هناك. الأمر يتعلق بمبدأ العدالة الاجتماعية ومصداقية المؤسسات. مدينة مثل مدينة “السّيّبة” لا يمكن أن تُبنى على قاعدة من الظلم والانتقائية. الثقة بين المواطن والإدارة تُهدر بكل بساطة عندما يرى المواطن أن القانون سيفٌ مسلطٌ على رقبته فقط، بينما يُغمد في وجه غيره. السلطات المختصة مدعوّة اليوم إلى توضيحٍ عاجل وشفاف، وإلى تصحيح هذا الانحراف في المسار. فإما أن يكون القانون واحداً للجميع، يُطبق بكل حزم وبدون استثناء، وإما أن يعترف الجميع بأنه مجرد أداة في يد القوي لترسيخ هيمنته. الساكنة تراقب، والشكوك تتصاعد، والكرة الآن في ملعب من يفترض أنهم حراس القانون والحماية للجميع دون تمييز والشارع هو من سيحسم القضية.
ادعوا جميع القراء للضغط هنا لمشاهدة هذا الخرق للقانون الذي لم تراه السلطة.