
بقلم المصطفى الجوي – موطني نيوز
في عالم مثالي، تُعرَّف الصحافة بأنها “السلطة الرابعة”، عين المجتمع التي لا تنام، وصوته الذي لا يخشى قول الحقيقة. دور الصحفي، في جوهره، هو دور الرقيب النزيه، الذي يبحث عن المعلومة، ويدققها، ويقدمها للرأي العام كأداة للمعرفة والوعي والمحاسبة. لكن، ماذا لو تحولت هذه المهنة النبيلة في واقع الأمر إلى مسار محفوف بالمخاطر، حيث يصبح كشف الفساد تهمة، والرأي الحر جريمة، والنزاهة سذاجة؟ هنا، في المغرب، تبدو هذه الصورة القاتمة حقيقة يومية يعيشها الكثير من الصحفيين، وهي حقيقة لخصتها تجربتي الممتدة على مدار 28 عاماً كللت بكتابة أزيد من 16 ألف مقال صحفي في هذا الحقل الملغوم بين الورقي الذي إشتغلت فيه مابين 1998 وحتى 2016 و الالكتروني من 2013 حتى يومنا هذا.
فهل عرفت مهنة الصحافة في بلادنا الحد الأدنى من الحقوق والحريات؟ على الورق، نعم. فالدستور المغربي، في فصله الثامن والعشرين، يكفل “حرية الصحافة”، ويؤكد أنها “لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية”. لكن بين النص الدستوري والممارسة اليومية، تقع هوة سحيقة تجعل من هذا الحق مجرد حبر على ورق. فما معنى أن تكون حراً في قول ما لا يزعج أحداً؟ وما قيمة النقد حين يكون مسموحاً به فقط عندما يخدم أجندة طرف ضد آخر؟
تجربتي الشخصية، التي أثمرت ما يناهز 70 شكاية ودعوة قضائية، ليست مجرد رقم، بل هي شهادة حية على طبيعة العلاقة الملتبسة بين الصحافة والسلطة بمختلف تجلياتها محلية، أمنية، سياسية، وإدارية وحتى القضائية. السبب دائماً هو نفسه، فضح واقع فاسد، وتسليط الضوء على مفسدين ظنوا أنهم فوق القانون والمحاسبة. اللافت في الأمر هو التحول الدراماتيكي في هذه العلاقة؛ فبإمكانك أن تكون “سمن على عسل” مع كل الأجهزة بدون استثناء، ما دمت تسبح في فلكهم، وتكتفي بالحديث عن الأمور الهامشية التي لا تمس جوهر الاختلالات. لكن بمجرد أن تمارس دورك الحقيقي، وتنتقد تجاوزاً، أو تبدي رأياً لا يروق لمسؤول ما، بقدرة قادر، يتحول ذلك “الحب” المزعوم إلى كره وعداء، وتجد نفسك فجأة في مواجهة التهميش، الإقصاء، وسيل من الشكايات الكيدية الملفقة التي تهدف إلى استنزافك نفسياً ومادياً، وتحويلك من صحفي باحث عن الحقيقة إلى متهم يدافع عن براءته في ردهات المحاكم.
صدقوني إن قلت لكم أن المعاملة التي يتلقاها تاجر المخدرات والقاتل وسارق المال العام وغيرهم…عندما يكونوا بين أيدي الامن و النيابة العامة والقضاء. أفضل بكثير من صحفي أو مراسل (أراك لتهكم والاستفزاز والإستهزاء) خاصة إذا كان المشتكي من أصحاب النفوذ، وقد يشاطرني الرأي الكثير من رجال الإعلام، ممن وجدوا نفسهم وجها لوجه مع المخزن بتهمة “التشهير” هذا السيف الذي أصبح مسلطاً على كل صحفي لغرض إخراسه و كثم انفاسه. دون تعميق البحث أو تأكد من أن ما نشره حقيقة أم زيف، لدرجة أن المشرع المغربي لم يشرح أو يوضح ما معنى عبارة “التشهير” و ما المقصود منها؟ حتى لو أدليت بما يقوي موقفك، علما أن الأصل في مقالاتنا حسن النية والغيرة على هذا الوطن.
هنا يبرز التناقض الصارخ في تعامل الدولة مع المشهد الإعلامي. فهي تتعامل بازدراء واحتقار مع “الصحافة المطبلة”، التي تعتبرها مجرد أداة يمكن استخدامها وتهميشها وقتما تشاء، لكنها في المقابل، تتعامل بعدائية وكره دفين مع الصحافة المستقلة التي تفضح الفساد. لماذا هذا الكره الشديد؟ الجواب بسيط: لأن الصحافة الحقيقية تزعزع مناطق الراحة، وتكشف المستور، وتهدد شبكات المصالح التي تنمو وتترعرع في الظلام. إنها تضع مرآة أمام وجوه لا تريد أن ترى حقيقتها، وهذا ما يجعلها العدو الأول لمنظومات الفساد.
ألم يكن من الأجدر أن تفتح هذه الأجهزة قنوات للحوار والتواصل، وتسهل الوصول إلى المعلومة بدلاً من حصارها؟ لقد تم التبشير بقانون “الحق في الحصول على المعلومة” كإنجاز تاريخي، لكنه سرعان ما تكشّف ليكون أكبر كذبة في تاريخ المغرب الحديث. فالمعلومة لا تُمنح كحق، بل تُسرّب كأداة للانتقام وتصفية الحسابات عند تقاطع المصالح بين جهات نافذة. وعندما تعود المياه إلى مجاريها، تجف المصادر فجأة، وتُغلق الأبواب، ويتحول الصحفي الذي استُخدم كورقة في هذه اللعبة إلى مجرد أداة محروقة، أو سلاح يوظف لأغراض شخصية ضيقة، مما يفرغ مهنته من أي معنى أو استقلالية.
والأدهى من ذلك، أنك كصحفي تجد نفسك محاصراً بين خيارين أحلاهما مر. إن قررت النأي بنفسك عن الخوض في الأمور الحساسة وتوجهت نحو “الصحافة الخفيفة” أو الهامشية، ستجد نفسك هدفاً لوابل من الانتقادات التي تنعتك بـ”صحافة التفاهة” و”المرتزق”. وإن تجرأت وفضحت الفساد والمفسدين، فاستعد لأحكام القيمة الجاهزة: أنت “مرتشي” تتلقى أموالاً من جهة ما، أو “مريقي” (عميل) تخدم أجندة خفية. في كلتا الحالتين، سهام الحقد والضغينة لن تخطئك. فالمجتمع والسلطة على حد سواء، يريدان صحافة على المقاس؛ صحافة لا تزعج ولا تنتقد، وهذا مستحيل.
هذا الواقع المأزوم يجد جذوره في الفراغ القانوني والتشريعي الذي يحيط بالمهنة. فقانون الصحافة والنشر، على أهميته، يركز على شكليات مثل “البطاقة المهنية السنوية”، ويقصي قيمة “الدبلوم الدائم” أو التكوين الأكاديمي. أي منطق هذا في دولة يصبح فيها حامل شهادة الصحافة والإعلام مجرد أجير عند “موّل الشكارة” (صاحب المال) الذي قد لا يملك من الصحافة إلا اسمها، لكنه يملك البطاقة والنفوذ؟ وما نفع هذه البطاقة التي نثقل بها محافظنا إن كانت، كما يقول المثل المغربي، “ما تشربكش الما” (لا تروي عطشك)؟ إنها لا تحميك من الاعتقال التعسفي، ولا تمنحك حصانة أثناء أداء واجبك، ولا تفتح لك الأبواب المغلقة للحصول على المعلومة.
إن غياب أي ذكر لمصطلح “الصحافي” أو “الصحافة” في القانون الجنائي، على علاته، هو دليل قاطع على أن المشرّع لا يرى في الصحفي ذلك الفاعل الأساسي في بناء مجتمع ديمقراطي، بل مجرد مواطن عادي يمكن مقاضاته بأي قانون آخر، متجاهلاً الطبيعة الخاصة لعمله والمخاطر المترتبة عليه.
في نهاية المطاف، أن تكون صحفياً في المغرب اليوم يعني أن تمشي على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق من التحديات. إما أن تكون صحفياً تافهاً في نظر من يريدون عمقاً، أو صحفياً عدمياً وخائناً في نظر من يزعجهم نقدك. الحقيقة هي أن الصحافة في بلادي لا قيمة لها في ميزان السلطة، إلا عندما تخدم مصالحها. لكن رغم كل هذا، يبقى الأمل معقوداً على قلة من الأقلام الحرة التي ترفض أن تكون مجرد أبواق أو أدوات، وتصر على أن تقول الحقيقة، مهما كان الثمن. فهذه ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة، والتاريخ لن يرحم من فرط فيها.