
بقلم : المصطفى الجوي – موطني نيوز
تنبيه…(أي تشابه في الشخصيات أو الأحداث هو من وحي الصدفة).
في عالمٍ تُقاس فيه قيمة الرجال بأرصدتهم البنكية، كان “أبو العز” إلهًا من آلهة المال والأعمال، صنمًا يُعبد في محراب الثروة. لم يكن مجرد ملياردير، بل كان ظاهرةً، رجلاً نسج من خيوط الذهب والحديد إمبراطوريةً امتدت أذرعها كأخطبوط يلتهم كل فرصة. قصره العاجي، المشيّد على تلال المدينة، كان قبلة الطامحين ومنتهى أحلام الفقراء. وزوجته، “علياء”، السيدة المصونة المنحدرة من أرقى الأصول، كانت الجوهرة التي تُرصّع تاجه، امرأةً صاغتها الفضيلة ورعتها التقاليد، وأنجبت له أبناءً ك”البدور” في تمامها. لكن خلف أسوار هذا الكمال الظاهري، كان هناك صدعٌ غائر، شرخٌ في الروح اسمه “أسيل”.
لم تظهر أسيل في حياة أبي العز صدفة، بل تسللت إليها كما يتسلل السم إلى مجرى الدم. لم تكن مجرد عاهرةٍ لفظها الماضي، أو امرأةٍ باعها زوجها في سوق النخاسة المعاصر حين استنفد جمالها؛ كانت فكرةً شيطانية تجسّدت في هيئة أنثى. عيناها كانتا تحملان بريق الذئاب الجائعة، ولسانها يقطر شهدًا مسمومًا. رأت في أبي العز فريسةً لا صيدًا، مشروعًا لا عشيقًا. بدأت علاقتهما المحرمة كنزوة رجلٍ ملّ من رتابة الفضيلة، وبحث عن شذوذ اللذة في أحضان الرذيلة. لكنه لم يدرك أنه لم يكن يشتري متعةً عابرة، بل كان يبيع روحه بالتقسيط.
أمام سحرها الأسود، الذي لم يكن بخورًا أو طلاسم، بل كان فن إتقان الشهوة والتلاعب بالغرور، تهاوت حصون أبي العز. فضلها على علياء، جوهرة بيته، واستبدل الأصل بالزيف. بنى لها وكرًا من حرير، قصرًا موازيًا لقصره، وأغدق عليها من الأموال ما يكفي لشراء ممالك، غير عالمٍ أنه كان يموّل حبل مشنقته.
أحاطت أسيل نفسها بجيش من الظلال، حاشية من أشباه الرجال والنساء، كائنات طفيلية تعيش على فتات مائدتها، وتقتات من سخاء أبي العز. كانوا عيونها التي لا تنام، وآذانها التي تلتقط همس الجدران. بأمرٍ منها، كانوا ينسجون حوله شبكة من الأكاذيب، يزينون له خيانتها، ويصورون له استغلالها حبًا وتضحية. وببطءٍ قاتل، سلّمها “لحيته”؛ لم يعد سيد قراره، بل أصبح دمية خشبية في مسرحها العبدي عفوا العبثي. كان يوقع على أوراق لا يقرؤها، ويوافق على صفقات لا يفهمها، بل وصل به الانصياع الأعمى إلى أن أصبح سيفها الذي تنتقم به من كل من حاول أن يهمس في أذنه بكلمة حق، ليرضي غرورها المريض الذي كانت تسكّنه بوابل من العقاقير الملونة.
لكن للزمان دورته التي لا تخطئ، وللعدالة الإلهية ميزانها الذي لا يغفل. وفي ليلةٍ حالكة، بينما كان القمر شاهدًا صامتًا، بدأت الأقنعة تتساقط. استيقظ أبو العز من سباته الطويل، لا على يد منقذ، بل على وقع انهيار إمبراطوريته. وجد نفسه فجأةً يعيش نسخةً معاصرةً ومأساوية من قصة يوسف الصديق مع زليخة؛ لكنه لم يكن يوسف في براءته، بل كان عزيز مصر الذي سلّم مفاتيح خزائنه لزوجةٍ خائنة.
كانت الصدمة كزلزالٍ ضرب أركان المدينة. أبو العز، أسطورة المال والسلطة، يُجرّ من قصره كالجرذ، مكبلاً بالقيود، ليُلقى في غياهب سجنٍ رطب. التهمة؟ اختلاس وتزوير وغسيل أموال، جرائم دبّرتها أسيل بعبقرية شيطانية، مستخدمةً توقيعه الأعمى كدليل إدانة. أما علياء وأبناؤها، فقد قُذف بهم من قمة المجد إلى حضيض الشارع. تشردوا، وضاعت أصوات استغاثتهم في ضجيج مدينة لا ترحم الساقطين.
وفي المقابل، كانت أسيل تحتفل بنصرها. جلست على عرش أبي العز، في قصره الذي أصبح ملكها، تتلذذ بمرارة هزيمته. عاشت في بحبوحةٍ من العيش لم تكن تحلم بها، سعادةٌ بُنيت على أنقاض أسرةٍ بأكملها. وعندما وصلتها أخبار مرضه في السجن، وأن الموت يطرق بابه بقوة، قررت أن تضيف إلى خيانتها فصلاً جديدًا من الإذلال. لم تكتفِ بفتح أبواب فراشه لرجالٍ آخرين من طبقتها الجديدة، بل أمعنت في تحطيم ما تبقى من كبريائه، فاستدعت عبيده وخدمه القدامى، أولئك الذين كانوا يرتجفون لمجرد مروره، وجعلتهم أسياد ليلتها وشركاء فراشها، في رسالةٍ دموية إلى السجين البعيد بأن عصره قد انتهى إلى الأبد.
لم تكن أسيل مجرد امرأة ساقطة، بل كانت وحشًا كاسرًا بغرائز حيوانية. كل من حاول الاقتراب من سرها أو تقصي أثر أموالها المنهوبة، كان يجد نفسه فريسةً لمخالبها. كانت تزرع الفتنة، وتشتري الذمم، وتلفق التهم، وتبني جدارًا من الرعب حول مملكتها المسروقة.
ثم جاءت الضربة القاضية، الخاتمة التي حذر منها الحكماء ولم يصغِ إليها أبو العز. في ليلةٍ لا قمر فيها، وبعد أن تأكدت من أن كل الأصول أصبحت باسمها، قامت بأكبر عملية سطو في تاريخها. حولت مئات الملايين عبر شبكة معقدة من الحسابات الخارجية، معاملاتٌ رقمية لم تترك أثرًا لرادار الضرائب أو الرقابة المالية. ثم، وكما ظهرت من العدم، اختفت في العدم. تبخرت. لم يعد لها أثرٌ في سجلات السفر، ولا همسٌ في أروقة البنوك. بقيت مجرد أسطورة سوداء، وشائعات تتهامس بأنها عبرت المحيطات لتبدأ حياة جديدة بهوية جديدة، تاركةً خلفها بركانًا من الخراب.
في زنزانته المظلمة، لم يبقَ لأبي العز سوى الصدى. صدى ضحكات أبنائه، وصدى تحذيرات زوجته، وصدى صرير قلمه وهو يوقع على صكوك نهايته. كان المرض ينهش جسده، والندم يلتهم روحه. أدرك، وهو على حافة الموت، أن الثروة التي بناها لم تكن حصنًا، بل كانت وقودًا للنار التي أحرقته، وأن اللذة التي اشتراها بماله لم تكن إلا الطُعم في فخٍ محكم، فخٍ لن يخرج منه أبدًا…إلا جثةً هامدة تحمل على جبينها وصمة “الغدر والخيانة” بطلتها أسيل العاهرة.