أشباح “دلتا” القوات الخفية التي تُسقط العروش من كاراكاس إلى بغداد

عناصر قوات الدلتا الأمريكية

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

في قلب العتمة والضجيج السياسي الذي يلف العالم، تتحرك خيوط خفية لا تراها الأعين، لكنها قادرة على إعادة رسم خرائط القوى وتغيير مصائر الأمم في ليلة وضحاها. اليوم، ومع سقوط كاراكاس في صمت مطبق واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يطفو على السطح من جديد اسم “قوة دلتا”، تلك الوحدة التي تعمل كشبح في الظل، لتثبت مرة أخرى أنها الذراع الضاربة التي لا تترك خلفها أثراً، والسكين الذي يقطع في صمت. إنها ليست مجرد وحدة عسكرية، بل عقيدة قتالية متكاملة، حيث لا يرتدي أفرادها الزي الرسمي غالباً، ويطيلون شعورهم ولحاهم ليندمجوا بسلاسة بين الحشود، ويتحدثون لغتك بطلاقة مذهلة تجعلهم جزءاً من نسيج المكان الذي يعملون فيه، لكن حركتهم التالية قد تكون الإعلان عن نهاية حقبة زعيم أو تغيير نظام بأكمله.

تعتبر “قوة دلتا” الوحدة الأكثر سرية ونخبوية في الترسانة العسكرية الأمريكية، وقد تأسست عام 1977 بهدف أساسي هو مواجهة الإرهاب الدولي وتنفيذ عمليات تحرير الرهائن عالية الخطورة. الانتقاء لهذه الوحدة لا يتم إلا من بين صفوة قوات النخبة الأخرى، مثل القوات الخاصة (Green Berets) وقوات الرينجرز، حيث يخضع المتقدمون لاختبارات نفسية وبدنية قاسية يتجاوز معدل الفشل فيها 90%، مما يضمن أن من يصل إلى خط النهاية هو مقاتل استثنائي بكل المقاييس. شروط الالتحاق الصارمة، التي تقتصر على الذكور، تتبعها فترة تدريب مكثفة لمدة ستة أشهر، يتم فيها صقل مهاراتهم القتالية واللوجستية لمواجهة أي سيناريو يمكن تخيله، مع إلزامهم بتعلم لغات أجنبية حيوية كالعربية أو الفرنسية أو العبرية، وهو ما يمنحهم قدرة فريدة على العمل في أي بقعة من العالم.

يكمن سر قوة “دلتا” في قدرتها الفائقة على التخفي والاندماج التام في البيئات المعادية، حيث يتمتع أفرادها بحرية التخلي عن المظهر العسكري التقليدي، مما يسمح لهم بالذوبان في أي مجتمع دون إثارة الشكوك. هم متخصصون في عمليات “الخطف والقتال” التي تتطلب الدقة والسرعة في بيئات شديدة الخطورة، ويمتلكون وصولاً حصرياً إلى أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا السلاح والمراقبة، وغالباً ما تكون هذه التقنيات بحوزتهم قبل سنوات من وصولها إلى الجيش النظامي. تدريباتهم تتجاوز المألوف، إذ تشمل محاكاة سيناريوهات إنقاذ الرهائن بالذخيرة الحية، حتى عندما يلعب زملاؤهم دور الرهائن، لضمان الوصول إلى درجة الكمال في الرماية والتخطيط التكتيكي وصناعة المتفجرات وتقنيات التجسس المتقدمة.

إن تاريخ هذه الوحدة حافل بعمليات جريئة هزت العالم ورسمت ملامح أحداث كبرى. ففي عام 2003، كانوا هم من حددوا مكان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وألقوا القبض عليه في عمليتهم الشهيرة “الفجر الأحمر”. وفي عام 2019، نفذت القوة غارة ليلية جريئة في إدلب بسوريا، والتي انتهت بمقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي. كما يُنسب إليهم اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في العراق عام 2020. سجلهم لا يخلو من الإخفاقات، مثل عملية “مخلب النسر” الفاشلة لتحرير الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1980، لكن نجاحاتهم طغت على المشهد، حيث شاركوا بفاعلية في غزو غرينادا عام 1983، وغزو بنما عام 1989 الذي أدى إلى اعتقال رئيسها مانويل نورييغا، وساهموا في مساعدة السلطات الكولومبية على اعتقال تاجر المخدرات الشهير بابلو إسكوبار عام 1993. واليوم، يضاف إلى هذا السجل فصل جديد بإعلان الرئيس الأمريكي عن نجاحهم في اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته من داخل قصره في كاراكاس، في عملية غامضة سبقتها حرب إلكترونية معقدة شلت أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية بالكامل، ومهدت الطريق لضربات جوية أمريكية مكثفة على العاصمة، لتسقط كاراكاس وتُطوى صفحة أخرى بقوة “الأشباح”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!