هل ابتلعت إسرائيل طعم “بربرة” هرباً من جحيم إيلات؟

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

حين أعلن بنيامين نتنياهو في السادس والعشرين من ديسمبر عام 2025 اعتراف بلاده بدولة “أرض الصومال”، لم يكن الأمر مجرد مناورة دبلوماسية عابرة في رقعة شطرنج دولية مزدحمة، بل كان صرخة مكتومة تعكس حجم الاختناق الاستراتيجي الذي أصاب الشرايين الحيوية للدولة العبرية. إن هذا الاعتراف، الذي جاء كأول خطوة من نوعها من دولة عضو في الأمم المتحدة تجاه الإقليم الانفصالي، يمثل في جوهره “إعلان هزيمة” غير مباشر في ميناء إيلات، ومحاولة يائسة للالتفاف على واقع جيوسياسي جديد فرضته نيران البحر الأحمر التي لم تنطفئ منذ سنوات. فخلف الابتسامات الدبلوماسية المصطنعة في تل أبيب، تكمن قصة ميناء إيلات الذي تحول من بوابة إسرائيل الجنوبية الفخورة إلى مدينة أشباح بحرية مهجورة، بعد أن نجحت الهجمات المستمرة في خنق الممر الملاحي تماماً، مما دفع العقل الاستراتيجي الإسرائيلي للقفز بتهور نحو الضفة الأفريقية بحثاً عن “حاملة طائرات برية” لا يمكن إغراقها بالصواريخ التقليدية.

إن لغة الأرقام الصادمة التي سبقت هذا القرار التاريخي والمثير للجدل تكشف عن حجم الكارثة اللوجستية التي حلت بميناء إيلات؛ فبحلول منتصف عام 2025، انهار النشاط الملاحي في الميناء بنسبة تجاوزت 90%، حيث تراجعت أعداد السفن الواصلة من مئات السفن العملاقة سنوياً إلى مجرد بضع سفن تجرؤ على عبور مضيق باب المندب تحت حماية دولية هشة. هذا الانهيار لم يكن مجرد تراجع عابر في الأرباح السنوية، بل كان سقوطاً مدوياً لعمود فقري لوجستي لطالما تفاخرت به إسرائيل، حيث توقفت واردات السيارات تماماً وانخفضت الإيرادات من مئات الملايين من الشواكل إلى أرقام هزيلة لا تغطي حتى تكاليف الصيانة الأساسية، مما جعل الميناء عبئاً مالياً واستراتيجياً ثقيلاً. وفي هذا السياق المأزوم، لم يكن شكر نتنياهو العلني والمفاجئ لرئيس الموساد “ديفيد برنيع” عند إعلان الاعتراف مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كان اعترافاً صريحاً بأن هذه الصفقة هي “عملية خاصة” بامتياز، أُديرت في الغرف المظلمة بعيداً عن أروقة وزارة الخارجية التقليدية، لضمان موطئ قدم عسكري واستخباراتي يعوض خسارة إيلات الجغرافية التي يبدو أنها أصبحت دائمة.

تعتبر “أرض الصومال”، وتحديداً ميناء بربرة الاستراتيجي، الجائزة الكبرى في هذه المقامرة الجيوسياسية الكبرى؛ فهذا الموقع ليس مجرد مرفأ تجاري عادي، بل هو إرث عسكري ضخم من حقبة الحرب الباردة يمتلك واحداً من أطول المدارج الجوية في العالم قاطبة، وهو مدرج صُمم تاريخياً ليكون موقع هبوط اضطراري لمكوكات وكالة “ناسا” الفضائية الأمريكية. بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا المدرج العملاق قاعدة انطلاق مثالية للقاذفات الاستراتيجية وطائرات التزود بالوقود، مما يضع القوات الجوية الإسرائيلية على مسافة 250 كيلومتراً فقط من السواحل اليمنية المشتعلة. إنها “حاملة طائرات ثابتة” تمنح سلاح الجو الإسرائيلي القدرة الفائقة على المراقبة والتدخل السريع في خليج عدن والمحيط الهندي، بعيداً عن متناول الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة الانتحارية التي جعلت من إيلات هدفاً سهلاً ومكشوفاً. ومن هنا، يظهر بوضوح أن إسرائيل لا تبحث عن تبادل تجاري أو تعاون زراعي مع هرجيسا، بل تبحث عن عمق استراتيجي مفقود ومستودعات ذخيرة دائمة على الضفة الأخرى من الممر المائي الأكثر اشتعالاً وخطورة في العالم المعاصر.

ولا يمكن قراءة هذا التحول الدراماتيكي في السياسة الخارجية الإسرائيلية بمعزل عن “هندسة” إقليمية خفية ومعقدة، حيث يبرز الدور الإماراتي كلاعب محوري وعقل مدبر في صياغة هذا المحور الثلاثي الجديد. فشركة “موانئ دبي العالمية” التي تدير ميناء بربرة بعقد امتياز يمتد لثلاثين عاماً، استثمرت مئات الملايين من الدولارات لتحويله إلى مركز لوجستي عالمي يربط القارات، ويبدو أن الصمت المطبق والمريب لعواصم “اتفاقيات إبراهيم” تجاه الاعتراف الإسرائيلي يعكس توافقاً ضمنياً وعميقاً على حماية هذه الاستثمارات الضخمة عبر “شرعنة” وجود إسرائيلي يوفر مظلة أمنية واستخباراتية للمنطقة بأكملها. إن هذا “المثلث الجديد” المكون من إسرائيل والإمارات وأرض الصومال، يسعى بكل قوة لرسم خريطة نفوذ بديلة تتجاوز التهديدات التقليدية، وتحاول فرض واقع جيوسياسي جديد في منطقة القرن الأفريقي الحساسة، متجاهلة بصلابة التحذيرات الصارمة والاحتجاجات الغاضبة من الحكومة المركزية في مقديشو والاتحاد الأفريقي الذي يرى في هذه الخطوة تهديداً لوحدة الدول الأفريقية.

إن الدخول الإسرائيلي إلى القرن الأفريقي من بوابة “أرض الصومال” يمثل أيضاً محاولة لكسر العزلة الإقليمية التي فرضتها التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث تجد تل أبيب نفسها مضطرة للبحث عن حلفاء غير تقليديين في مناطق كانت تعتبر تاريخياً خارج نطاق نفوذها المباشر. هذا التحالف يمنح إسرائيل القدرة على مراقبة التحركات الإيرانية في المحيط الهندي عن كثب، ويجعلها طرفاً فاعلاً في أمن الممرات المائية الدولية بعيداً عن قيود الجغرافيا الضيقة للبحر الأحمر. ولكن، هل فكر صانع القرار في تل أبيب في التبعات طويلة المدى لهذا الاختراق؟ إن الرهان على كيان لا يحظى باعتراف دولي واسع هو رهان محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى تأجيج الصراعات العرقية والسياسية في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية مزمنة، مما قد يحول “المنفذ الآمن” المفترض إلى مستنقع جديد يستنزف الموارد العسكرية والبشرية الإسرائيلية في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.

ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية ومصيرية حول مستقبل الاستقرار والأمن في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ فهل سينجح هذا الهروب الإسرائيلي الكبير نحو أفريقيا في كسر الحصار البحري الخانق، أم أنه سيؤدي ببساطة إلى “عسكرة” القرن الأفريقي وتحويله إلى ساحة صراع دولي وإقليمي أكثر ضراوة وتعقيداً؟ إن الرهان على أرض الصومال هو رهان على كيان سياسي يبحث عن الاعتراف والشرعية بأي ثمن كان، حتى لو كان ذلك عبر التحالف مع قوى تزيد من عزلتها الإقليمية وتضعها في مواجهة مباشرة مع جيرانها. وفي نهاية المطاف، قد تكتشف تل أبيب، ربما بعد فوات الأوان، أن القفز المتهور إلى الضفة الأفريقية لم يكن حلاً جذرياً للأزمة الوجودية التي تعيشها، بل كان مجرد نقل قسري لنقطة الاشتعال من شمال البحر الأحمر إلى جنوبه، في مغامرة جيوسياسية كبرى قد تنتهي بتحويل “حاملة الطائرات التي لا تغرق” إلى فخ استراتيجي يستنزف ما تبقى من قدرة إسرائيل على المناورة في مياه دولية لم تعد صديقة أو آمنة لأحد.

إن ما شهدناه في نهاية عام 2025 ليس مجرد توقيع على أوراق دبلوماسية، بل هو إعلان عن ولادة “محور ضرورة” يجمع بين اليأس الإسرائيلي والطموح الإماراتي والحاجة الماسة لأرض الصومال للشرعية. هذا المحور سيواجه اختبارات عسيرة في عام 2026، حيث ستراقب القوى الإقليمية والدولية، من طهران إلى واشنطن ومن مقديشو إلى القاهرة، كل تحرك عسكري أو استخباراتي ينطلق من بربرة. إن البحر الأحمر، الذي كان يوماً طريقاً للتجارة والحضارة، يتحول اليوم إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية بالأطماع العسكرية في مشهد سريالي يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين. وسيبقى السؤال المعلق في فضاء المنطقة: هل تستطيع إسرائيل فعلاً حماية مصالحها من فوق “أرض” لا تملك هي نفسها اعترافاً بوجودها من جيرانها الأقربين؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت إلى الأبد، وأن ثمن الهروب من إيلات قد يكون أغلى بكثير مما تخيله نتنياهو وبرنيع في لحظة نشوة الاعتراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!