من النيل إلى الفرات انبعاث نبوءة “إسرائيل الكبرى” في عصر الهيمنة الرقمية

المصطفى الجوي

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

إنني أرى أن الخطاب السياسي المعاصر، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن فصله عن جذوره اللاهوتية والتاريخية العميقة. فما يبدو على السطح صراعاً جيوسياسياً تقليدياً، يخفي وراءه طبقات من الأيديولوجيا المستمدة من تفسيرات دينية متشددة، والتي تتشابك اليوم مع آليات القوة العابرة للحدود. إنني أقدم هذا التحليل بناءً على ما استخلصته من محتوى تحليلي معمق، والذي يطرح إطاراً لفهم كيف تتحول النبوءة الدينية إلى استراتيجية سياسية، وكيف يحل رأس المال والتكنولوجيا محل الحدود الجغرافية كأدوات للهيمنة.

إن الأيديولوجية التوسعية، التي تُعرف بمشروع “إسرائيل الكبرى”، تستند بشكل أساسي إلى التفسير الحرفي لنصوص العهد القديم، وتحديداً ما ورد في سفر التكوين 15: 18، حيث يُذكر أن الرب قطع ميثاقاً مع إبراهيم قائلاً : “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”. هذا النص، الذي يحدد حدوداً جغرافية شاسعة تمتد من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً، يتم ترويجه كـ”وعد إلهي” مطلق يبرر التوسع الإقليمي. وأنا أرى أن الترويج لهذا المفهوم ليس مجرد ادعاء نظري، بل يتجسد في رموز سياسية وعسكرية ملموسة، مثل تفسير الخطين الأزرقين في العلم الإسرائيلي بأنهما يمثلان نهري النيل والفرات، واستخدام شعارات تحمل خريطة “إسرائيل الكبرى” على زي بعض الجنود، وهي كلها أدلة على أن هذا المفهوم قد تغلغل في الوعي المؤسسي للدولة كجزء من عقيدتها الأيديولوجية.

لكنني أجد أن التحليل الديني المقارن يكشف عن تعقيد هذا “الوعد” ويضعه في سياقه الشرطي. ففي حين أن النص التوراتي يذكر الحدود، فإنني أعود إلى القرآن الكريم لأجد أن تملك الأرض المقدسة هو وعد مشروط بالطاعة والاستقامة، وليس صكاً أبدياً غير قابل للنقض. إن الآيات القرآنية تضع هذا الوعد في إطار المسؤولية والجزاء. ففي سورة المائدة الآية 21، عندما أمر موسى قومه بدخول الأرض المقدسة، قال : “يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ”. إن كلمة “كتب” هنا لا تعني التمليك المطلق، بل التقدير المشروط بالجهاد والطاعة، وهو ما رفضوه، فكانت النتيجة هي التيه والشتات.

والأهم من ذلك، أن القرآن الكريم يربط بين السلوك البشري والمصير الجغرافي. ففي سورة الإسراء الآية 4، نجد النبوءة الواضحة عن الإفساد والعلو في قوله تعالى : “وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا”. هذا النص يوضح أن العلو ليس مكافأة إلهية، بل هو نتيجة للفساد، وأن هذا العلو الكبير سيتبعه عقاب إلهي وبشري. كما أنني أستشهد بقوله تعالى في سورة الأعراف الآية 168 : “وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”. هذه الآية تؤكد على أن التشتت في الأرض هو قدرهم، وأن التجمع ليس وعداً مطلقاً بل اختباراً مرتبطاً بالصلاح والفساد. هذا التباين بين التفسير الحرفي المطلق في الخطاب التوسعي والتفسير المشروط في النصوص الدينية المقارنة يمثل نقطة ضعف أيديولوجية عميقة في المشروع السياسي القائم.

إنني أرى أن التحليل السياسي يجب أن ينتقل من التركيز على الحدود الجغرافية لـ”إسرائيل الكبرى” إلى مفهوم أوسع وأكثر عولمة هو “باكس جودايكا” (Pax Judaica). هذا المفهوم يتجاوز حدود الدولة القومية التقليدية ليصف نظاماً عالمياً جديداً لا يرتكز بالضرورة على السيطرة اليهودية المباشرة، بل على تحالف من القوى العابرة للحدود. إن “باكس جودايكا” في هذا السياق هو تحالف ثلاثي الأبعاد في ما بين رأس المال العابر للحدود، وشركات التكنولوجيا العملاقة، و وكالات الاستخبارات العالمية. وتُصوَّر القدس في هذا التحليل على أنها ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي مركز القيادة لهذا التحالف العالمي، الذي يستخدم الفوضى والصراعات حول العالم كآلية لتحقيق “النبوءة” والربح منها. هذا التحليل يربط بين الأيديولوجيا الدينية وبين آليات القوة الحديثة، حيث تصبح التكنولوجيا والبيانات ورأس المال أدوات الهيمنة الجديدة، متجاوزة الحاجة إلى الاحتلال العسكري المباشر لكل شبر من الأرض الموعودة. إنني أرى أن هذا التفسير يضع المشروع في سياق أوسع من نظرية المؤامرة، حيث يصبح الصراع ليس صراعاً قومياً تقليدياً، بل هو صراع حول من يسيطر على أدوات العولمة والرقمنة وإسرائيل دولة قوية تكنلوجيا وعسكريا. إن فكرة أن النخب العالمية تستخدم النبوءات الدينية كغطاء أو كـ”شفرة” لتبرير أجندتها الاقتصادية والسياسية هي جوهر هذا التحليل الذي أتبناه.

ومن المفارقات التاريخية التي يجب أن نتوقف عندها هو الدور المحوري الذي لعبه العالم الفيزيائي الشهير إسحاق نيوتن في ترسيخ هذا الفكر. فنيوتن، الذي نعرفه كمؤسس لحساب التفاضل والتكامل وميكانيكا نيوتن، قضى جزءاً كبيراً من حياته في دراسة اللاهوت وتفسير النبوءات. ويُعد كتابه “ملاحظات على نبوءة دانيال وسفر رؤيا يوحنا” دليلاً على اهتمامه العميق بالبحث عن “شفرة الكتاب المقدس” وفهم “الخطة الإلهية الكبرى”.

إنني أرى أن تأثير شخصية بحجم نيوتن، الذي يمثل قمة العقلانية العلمية، في تبرير الأجندات اللاهوتية السياسية، يمنح هذه الأجندات وزناً فكرياً لا يمكن تجاهله، ويجعلها تتسرب إلى أروقة النخبة وصناع القرار الغربيين.

لأستشف من كل هذه المراجع والكتب، إن المقاربة التي اعتمدتها تدعوني إلى تجاوز القراءة السطحية للصراع في الشرق الأوسط. فالمشروع التوسعي وبعبارة أقوى “إسرائيل الكبرى” لا يقتصر على الحدود الجغرافية التي رسمتها التوراة، بل يتطور ليصبح مشروع هيمنة عالمية تستخدم التكنولوجيا ورأس المال كأدوات، وتستمد شرعيتها من تفسيرات لاهوتية تعود جذورها إلى قرون مضت، ومرت عبر عقول فلاسفة وعلماء كبار مثل إسحاق نيوتن وغيره.

إن مواجهة هذا المشروع الكبير تتطلب تحليلاً سياسياً لا يغفل الأبعاد اللاهوتية والفكرية التي تغذيه في ظل التطاحن العربي العربي وما تعرفه شعوبها من ظلم وقهر وإستعباد ودفعهم للهروب الجماعي من بلدانهم بحثا عن الحرية والعيش الكريم. سيتحقق مشروع “إسرائيل الكبرى” فالنبوءة، عندما تتحول إلى استراتيجية سياسية، تصبح قوة دافعة لا يستهان بها، وتتطلب رداً تحليلياً وسياسياً يفكك هذا التشابك المعقد بين الدين والسياسة ورأس المال العابر للحدود.

ونحن كعرب وكمسلمين نفتقد إلى كل هذا، فلا يعقل أن يحاربنا الغرب وعلى رأسهم إسرائيل الكبرى بالتكنلوجيا و العلوم و الأسلحة المتطورة ونحن نواجههم بالأدعية في المساجد، فشتان بين “البَعْرَةِ وَالبَعِيرِ”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!