
الحسين بنلعايل – موطني نيوز
في صباح الخامس والعشرين من ديسمبر عام 2025، لم تكن هدايا العيد هي ما وصل إلى بروكسل من وراء المحيط الأطلسي، بل كانت صفعة دبلوماسية مدوية. إعلان واشنطن فرض عقوبات على مسؤولين أوروبيين بارزين، بمن فيهم مفوض سابق كان مهندساً رئيسياً للقوانين الرقمية الأوروبية، لم يكن مجرد خبر عابر في نشرة أخبار، بل كان زلزالاً استراتيجياً اهتزت له أركان التحالف الغربي الذي ظل صامداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد انتقل الخلاف من دائرة النقاشات الفنية والتحذيرات الدبلوماسية المغلقة إلى حيز الفعل العلني والمواجهة المباشرة، وكسرت واشنطن بذلك تابواً طويلاً: معاملة الحليف الأوروبي ليس كشريك مقدس، بل كطرف في نزاع قد تصل عقوباته إلى أفراد.
جذور هذا التصعيد تعود إلى تصادم رؤيتين لا تتفقان لأوروبا وأمريكا عن عالم ما بعد الهيمنة الغربية المطلقة. من ناحية، ترى النخبة في بروكسل أن دورها التاريخي هو حراسة “الحديقة الأوروبية”، أي حيز من النظام والقيم والقانون يحميه سور من التشريعات الصارمة من فوضى “الغابة” الدولية. هذا الحلم التنظيمي تجسد في قوانين رائدة مثل قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، التي تهدف إلى كبح جماح العمالقة التكنولوجيين وفرض معايير جديدة للشفافية وحماية المستخدم. لكن من ناحية أخرى، تنظر الإدارة الأمريكية، خاصة في نسختها الحالية، إلى هذا المشروع الأوروبي ليس كخطوة نحو عالم أكثر نظاماً، بل كإعلان حرب تنظيمي. الخطر، من وجهة النظر هذه، ليس في تنظيم السوق الأوروبية ذاتها، بل في “تسرّب” هذه القواعد عبر الحدود عبر منصات عالمية، لتصبح قيوداً أوروبية مفروضة على مستخدمين وشركات أمريكية في عقر دارهم، مما ينتهك السيادة ويقيد الابتكار.
هذا الخلاف التقني حول نطاق تطبيق القانون تحول إلى أزمة جيوسياسية كبرى لأن لمس جوهراً أعمق: صراع السيادة في العصر الرقمي. لقد أدركت واشنطن أن مركز ثقل صناعة القواعد العالمية يتحول تدريجياً من عواصمها إلى بروكسل. فبينما هي منشغلة بمعاركها السياسية الداخلية، فإن حلفاءها يصوغون قوانين تصبح، بحجم السوق الأوروبية الموحدة ونفوذها المعياري، المعيارَ الفعلي للعالم. وهذا ما يفسر التحول في الخطاب الأمريكي من الانزعاج السري إلى المواجهة العلنية. العقوبات ليست رداً على شخصيات بعينها بقدر ما هي رسالة واضحة: هناك خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو محاولة تنظيم الفضاء الأمريكي الداخلي.
تداعيات هذا الزلزال لا تقتصر على قوائم التأشيرات أو البيانات الدبلوماسية الغاضبة. إنها تضرب في الصميم أسس الثقة التي يقوم عليها حلف الناتو والتعاون الاستراتيجي الغربي. كيف يمكن التنسيق في مواجهة التحديات الأمنية الكبرى في أوروبا الشرقية أو آسيا، إذا كانت العاصمتان تتجابهان بهذه الحدية على جبهة الاقتصاد والرقمنة؟ والأهم، ما مصداقية خطاب “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي عندما تواجه القارة ضغطاً أمريكياً مباشراً وواضحاً؟ الواقع يكشف أن الحديقة الأوروبية، رغم جدرانها التنظيمية العالية، ما زالت معتمدة في أمنها وحتى في جزء كبير من اقتصادها على القوة التي تقف خارج أسوارها.
وفي الخلفية، هناك عالم يترقب. فالتصدع في الجبهة الغربية ليس خبراً ساراً لأحد سوى لمنافسيها. وهو يطرح سؤالاً وجودياً: إذا كان الغرب، بعد قرون من صياغة قواعد النظام العالمي، عاجزاً عن الاتفاق على قواعد لعالمه الرقمي الخاص، فكيف له أن يقدم نموذجاً مقنعاً لباقي العالم؟ الأزمة الحالية هي لحظة حقيقة. إما أن تنجح الدبلوماسية في بناء جسور جديدة تعترف بالسيادة الوطنية في عصر الترابط، وتخلق أطراً حقيقية للحوار والتنسيق بدل الفرض الأحادي، وإما أن نكون شهوداً على بداية انزياح تاريخي أعمق، حيث يتحول المركز الغربي من قطب منسجم إلى كتلتين متمايزتين: أطلسية وأوروبية، تتنافسان على تشكيل مستقبل الرقمنة بينما تتراجع قدرتهما الجماعية على قيادة النظام الدولي.
سقوط الحديقة الأوروبية من برجها العاجي، إذا ما حدث، قد يكون مقدمة ضرورية لخروج الجميع إلى رحابة عالم أكثر واقعية وتعقيداً. لكن السؤال الذي سيجيب عليه المستقبل القريب هو: هل سيكون هذا السقوط درساً قاسياً يؤدي إلى إصلاح جذري وتحالف متجدد، أم أنه سيكون الفصل الأول في قصة انهيار أطول وأعمق لتحالف كان يوماً ما العمود الفقري للنظام العالمي؟ الإجابة ليست في بروكسل ولا في واشنطن وحديهما، بل في قدرة القادة على كبح جماح الانفعال والنظر إلى ما وراء الأزمة الآنية، نحو مصير مشترك لا يزال التعاون فيه هو الخيار الوحيد والأكثر حكمة.