
المصطفى الجوي – موطني نيوز
في خطوة لافتة، خرج المحامي ورئيس جماعة أولاد علي الطوالع بإقليم بنسليمان، منتصر بوعبيد، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن صمته المعتاد في القضايا السياسية الوطنية، ليعلن تضامنه مع خصم سياسي، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين. لم يكن هذا التضامن وليد تقارب حزبي أو توافق سياسي، بل جاء في سياق معركة أوسع وأكثر تعقيدًا، معركة ضد ما وصفه الطرفان بـ “التفاهة الإعلامية” التي تغرق المشهد العام. التدوينة النقدية التي نشرها الأستاذ منتصر بوعبيد على حسابه في فيسبوك، والتي تضمنت انتقادات حادة لما أسماه “نهب المال العام من أجل بث الفضيحة” و”نشر الرذيلة”، لم تكن مجرد رأي عابر، بل كانت بمثابة شرارة أشعلت نقاشًا عموميًا حول دور الإعلام، وحدود حرية التعبير، ومعايير الدعم العمومي الممنوح لبعض المنابر الإعلامية.
لم يأتِ موقف الأستاذ منتصر بوعبيد من فراغ، بل جاء تتويجًا لسلسلة من التصريحات والمداخلات النارية التي أطلقها محمد أوزين، سواء داخل قبة البرلمان أو في تصريحاته الإعلامية. ففي أكثر من مناسبة، حذر محمد أوزين مما أسماه “صحافة التشهير والتفاهة” التي تستهدف الحياة الخاصة للأفراد وتسيء للمؤسسات وللدولة، معتبرًا أن بعض المنابر الإعلامية تحولت إلى أدوات لنشر “التفاهة” و”ضرب القيم”. وقد وصل السجال ذروته عندما تحول إلى مواجهة مباشرة وشخصية بين محمد أوزين وأحد الفاعلين في المشهد الإعلامي الرقمي الذي لقبه ب”الفراقشي الكبير”، حيث تبادل الطرفان الاتهامات اللاذعة، مما كشف عن عمق الأزمة بين جزء من الطبقة السياسية وبعض الفاعلين في المشهد الإعلامي.
هذا ويثير تضامن الأستاذ منتصر بوعبيد، المنتمي لحزب يقود الحكومة الحالية، مع أوزين، أحد أبرز وجوه المعارضة، تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا التحالف غير المتوقع. فهل هو مجرد تقاطع للمصالح اللحظية بين سياسيين يشعران بالاستهداف من قبل نفس المنابر الإعلامية؟ أم أنه يعكس وعيًا متزايدًا بخطورة ما يصفونه بـ “الانحرافات” التي يعرفها الحقل الإعلامي؟ من جهة، يمكن قراءة موقف الأستاذ منتصر بوعبيد في سياق الصراع السياسي، حيث قد يرى في الهجوم على محمد أوزين استهدافًا غير مباشر للطبقة السياسية ككل، مما يستدعي تضامنًا عابرًا للانتماءات الحزبية. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن الرجل، بصفته محاميًا، قد يكون مدفوعًا بقناعات مبدئية ترفض المساس بكرامة الأفراد وتشويه سمعتهم تحت أي ذريعة.
وبعيدًا عن السجال السياسي، تطرح هذه القضية إشكالية أعمق تتعلق بظاهرة إنتشار إعلام “التفاهة” التي أصبحت، حسب العديد من المحللين، تهديدًا صامتًا للوعي الاجتماعي. ففي عصر “الطوندونس” والبحث المحموم عن “البوز” وأموال “الأدسنس”، أصبح المحتوى السطحي والمثير للجدل هو العملة الرائجة في الفضاء الرقمي، على حساب القضايا الجوهرية والنقاشات الفكرية الرصينة والمال العام. ويحذر خبراء علم الاجتماع من أن هذا “النظام من التفاهة” لا يقتصر على الإعلام، بل يتغلغل في مختلف مفاصل المجتمع، من السياسة إلى الثقافة، ويهدد بتسطيح الوعي وتغييب القدوات الحسنة.
إن السجال الدائر اليوم بين شخصيات سياسية وإعلامية، على حدته، قد يكون صحيًا إذا ما أفضى إلى نقاش عمومي حقيقي ومسؤول حول سبل تنظيم الحقل الإعلامي، بما يضمن حرية الصحافة ويحمي في الوقت ذاته كرامة الأفراد وحق المجتمع في إعلام هادف ومسؤول بعيدا عن التشهير و الإبتزاز الإعلامي. إن المعركة ضد إعلام “التفاهة” ليست مسؤولية السياسيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الإعلاميين أنفسهم والمثقفين والمجتمع المدني والشعب، من أجل بناء فضاء عام صحي، قائم على النقاش البناء واحترام الآخر، وقادر على فرز الغث من السمين.