
بقلم محمد كفيل – موطني نيوز
في كل مرة يُطرح فيها مشروع قانون جديد، يُفترض أن يكون السؤال المركزي هو: ما الحاجة إليه؟ وما السياق الذي أفرزه؟ لكن حين يتحوّل النقاش إلى إصرار متكرر على قانون بعينه، وفي توقيت بعينه، يصبح من المشروع مساءلة النوايا قبل النصوص. فمنذ تولّي وزير العدل مهامه، لم يتوقف الخطاب المتوعّد بإخراج قانون جديد ينظم مهنة المحاماة، وكأنّ هذا الورش هو أولوية الأولويات داخل منظومة عدلية تعاني اختلالات بنيوية عميقة. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا هذا القانون بالذات؟ وهل نحن فعلاً أمام إرادة إصلاح حقيقية تستهدف تطوير النص الحالي والارتقاء بالمهنة، أم أمام مقاربة انتقائية تخفي أكثر مما تعلن؟
المثير للاستغراب أن خريطة العدالة تعجّ بمجالات وهيئات ومهن تحتاج، دون جدال، إلى مراجعة قوانينها أو حتى إلى نصوص مؤسسة من الأصل، ومع ذلك يتم تجاوز كل ذلك والتركيز حصرياً على المحاماة. هذا الانتقاء لا يمكن فهمه بمنطق الصدفة، ولا تفسيره بحجج التحديث التقني أو الملاءمة التشريعية، بل يشي بخلفية سياسية ومؤسساتية أعمق.
ولعل ما لا يستطيع وزير العدل قوله صراحة هو أن هامش قراره أضيق مما يبدو في الخطاب الرسمي. فالوزير، في نهاية المطاف، فاعل داخل منظومة معقّدة تتداخل فيها موازين القوى، وتطغى فيها سلطة الجهاز القضائي بمفهومه الواسع. هو مسيّر أكثر مما هو مخيّر، يحمل مشروعاً لم يصغه بالكامل، ويُترك في الواجهة لأنه يتقن فن المشادات الكلامية وتحمّل كلفة المواجهة الإعلامية، بينما تُدار المعركة الحقيقية في مستويات أخرى.
ثم إن المحاماة، تاريخياً، مهنة “مزعجة”. أزعجت السلط في الماضي، وتُزعجها في الحاضر، وستظل تزعجها مستقبلاً، لأنها ببساطة مهنة تقوم على السؤال، والاعتراض، والتشكيك، والمرافعة ضد التعسف، أياً كان مصدره. هي حضور يومي في قلب النزاع، وصوت لا يمكن تدجينه بسهولة، ومن الطبيعي أن تُنظر إليها بريبة من كل من يفضّل عدالة صامتة ومنضبطة أكثر مما هي عادلة.
أبعد من ذلك، تشكّل المحاماة أحد الأعمدة الأساسية للدفاع عن الحقوق والحريات، وضمانات المحاكمة العادلة، والتوازن داخل سير العدالة. إنها ليست مجرد مهنة تقنية، بل وظيفة دستورية غير منصوص عليها حرفياً، لكنها متجذّرة في روح دولة القانون. ومن هذا المنظور، فإن أي محاولة لتقويض دورها أو تحجيم استقلالها لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل العدالة، وتقليص مساحات الفعل النقدي، وتحويل الدفاع من سلطة اقتراح واعتراض إلى دور شكلي محدود الأثر.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن المحاماة لا يعني إنكار ما يعتريها من اختلالات. فالمهنة ليست معصومة من العطب، ونصوصها التنظيمية تحتاج بالفعل إلى تحيين وتطوير، سواء على مستوى التكوين، أو أخلاقيات الممارسة، أو آليات التأديب، أو علاقة المحامي بالمؤسسات القضائية. لكن الفارق الجوهري يكمن بين إصلاح يُبنى بالشراكة والثقة، وإعادة هيكلة تُفرض بمنطق الوصاية والاشتباه المسبق.
ما نراه اليوم ليس نقاشاً هادئاً حول تحديث المهنة، بل محاولة للإجهاز على آخر صوت حي داخل جسد العدالة، صوت قد يكون مزعجاً، لكنه ضروري، وقد يكون ناقداً، لكنه صمام أمان. فحين تُستهدف المحاماة بهذا الإصرار، لا يكون السؤال الحقيقي هو مستقبل مهنة، بل مستقبل العدالة نفسها، وحدود ما يُسمح له بأن يكون مستقلاً، وحراً، ومقلقاً في آن واحد.