ينسليمان : عندما تتحول “الفوضى الخلاقة” إلى صفقة تعليمية والسلطة المحلية في مقعد المتفرج!

أحد مظاهر الفوضى في مدينة السيبة

المصطفى الجوي – موطني نيوز 

لم يعد المشهد في مدينة “السيبة” بنسليمان مجرد فوضى عابرة يمكن تطويقها باعتذارات بيروقراطية أو وعود تنموية جوفاء. لقد تجاوز الوضع كل حدود التسامح والغضب ليصل إلى مرحلة الانهيار المتعمد للمؤسساتية تحت سمع وبصر من يفترض فيهم الحماية والرقابة. في حي كريم، حيث أصبح البناء العشوائي لغة الشارع السائدة، واحتلال الملك العام مهنةً مربحة، ها هو اليوم يقدم “إبداعه” الأكثر خطورة، صناعة مؤسسات تعليمية من رحم العشوائية!

المشهد لا يحتمل السذاجة. فبعد أزمة احتجاز عدادات الماء والكهرباء جراء التعديات الفاضحة على الحدائق وتشويهها بملاحق إسمنتية، ها هي نفس هذه المساحات المغتصبة تعلن عن “ترقية” أنشطتها. لم تعد مجرد غرف مخالفة أو حديقة عشوائية، بل تحولت فجأة إلى “مؤسسات تعليمية” تستقبل أبناء الحي. السؤال الذي يصرخ في وجه السماء : أي تعليم هذا الذي يولد من رحم المخالفة؟ وأي معرفة يمكن أن تقدمها لوحات إشهارية شيدت على أملاك الجميع، ودون رخص، ودون مراقبة، وربما بأيدي غير مختصة؟

الخطير هنا ليس فقط في وجود البناء العشوائي، فهذه معضلة قديمة. الخطر الحقيقي يكمن في التحول النوعي للفوضى من مجرد تشويه عمراني إلى اختراق للمنظومة التربوية والأمن المجتمعي. ماذا يدرس في هذه “المؤسسات” التي لا يعلم أحد إن كانت مرخصة أصلاً؟ من يشرف على العملية التعليمية فيها؟ وما هي المناهج، الظاهرة والمخفية، التي يتلقاها الأطفال والناشئة بين جدران عشوائية لم تبنَ لتحمل صفة “مدرسة”؟ إنها لعبة خطيرة تتجاوز الأسمنت والحديد لتمس مستقبل جيل بأكمله.

وفي هذا المشهد الكارثي، أين هي السلطة المحلية؟ يبدو أنها تختار أن تكون شريكاً في هذه المهزلة بالصمت والتغاضي. تحويل بناء عشوائي إلى مركز تعليمي ربما ليس حدثاً عابراً أو خفياً، إنه تحدٍ سافر للقانون وللحس السليم. هذا التحول يحتاج إلى طاقة كهربائية، وحركة دائمة، ولوازم، وهو ما لا يمكن أن يمر دون أن ترصده عين الرقابة المفترضة. السكوت عنه ليس تقصيراً، بل هو تواطؤ صريح يشير إلى أحد أمرين، إما عجز مطلق عن ممارسة السيادة على الإقليم، أو انخراط في لعبة المصالح التي تجعل من الفوضى “خلاقة” لأرباح البعض، حتى لو كان الثمن مستقبل المدينة وأبنائها.

ما يحدث في بنسليمان، وفي حي كريم تحديداً، هو اختبار حقيقي لمصداقية الدولة في حماية مؤسساتها الحيوية. عندما تسمح السلطة المحلية بتحويل حديقة عامة، ثم بناء مخالف، إلى “نادي رياضي” أو “مرآب سيارات” أو “مؤسسة تعليمية”، فهي لا تتخلى عن دورها الرقابي فحسب، بل تشارك في تأسيس “دويلة” موازية تحكمها قوانين الهمجية والاستيلاء. إنها رسالة مفادها أن القانون مطاطي، والممنوع مسموح لمن يملك الجرأة، وأن التعليم، هذه المنظومة الحساسة، يمكن أن تكون سلعةً تباع وتشترى في سوق العشوائية.

الفوضى لم تعد “عمرانية” فقط، لقد أصبحت “فوضى مؤسساتية” تهدد البنى الأساسية للمجتمع. والسلطة المحلية، بدلاً من أن تكون حائط الصد، تبدو وكأنها أحد أركان هذه الفوضى. السكوت عن تحويل المخالف إلى مركز تعليمي هو أكبر دليل على أن الخطر قد تجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن ما يُخفى في دهاليز هذه “البناء” العشوائي، قد يكون أعظم مما نراه على السطح. بنسليمان تنتظر جواباً : من يرخص لهذه الفوضى أن تلبس ثوب غير ثوبها؟ وهل احتجاز عدادات الغير بالقوة رغم الشكايات الكثيرة قانوني؟.

يتبع…

ملحوظة :

(متديوش علينا راه أحنا عارفين السلطة المحلية مكيحركها حتي واحد والمواطن يجري طوالو).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!