
المصطفى الجوي – موطني نيوز
لم يعد مشهد الاحتلال العشوائي للملك العمومي في بنسليمان مُجرد شائعة أو حالة مُتفرقة يمكن التغاضي عنها، بل تحول إلى ظاهرة ممنهجة تفتك بجسد المدينة وتقوض هيبة الدولة وسلطان القانون. فبعد الضجة التي أثارتها تجاوزات حي كريم وحي السلام والتي لم تحرك أي جهة، والتي مرّت تحت سقف الصمت المريب، يبرز اليوم حي القدس كواجهة جديدة للفساد العمراني، حيث تُختَتَم الفصول ذات السيناريو المُشين.

ففي هذا الحي، كما في أحياء أخرى، تُخطف الحدائق العمومية، تلك الرئات الخضراء المخصصة للاستفادة الجماعية، وتُضمّ بوقاحة إلى ممتلكات خاصة. مساحات شاسعة، كان مُفترضاً أن تُنفس هواء المدينة وتُضفي جمالاً على محيطها، تتحول بين عشية وضحاها إلى باحات خلفية مسيَّجة، أو حتى إلى غرف إضافية، بلا أي سند قانوني ولا أي وازع أخلاقي. إنه استلاب صارخ لحقوق المواطنين، وتكريس لمبدأ “البقاء للأقوى” أو ما يُعرف بـ “شرع اليد”، والذي يبدو أنه التشريع الساري المفعول في ظل غياب الرقابة والحساب.

وهنا يُطرح السؤال المُزعج بقوة : كيف تُفلت هذه التجاوزات الضخمة، التي تحتاج إلى جهد وآليات واضحة، من عيون الرقابة المحلية؟ أين هي لجان التفتيش؟ وأين هي المصالح المكلفة بحفظ الملك العمومي؟ هل وصلت الجرأة بالبعض إلى حد الاعتقاد بأن الدولة غائبة أو متواطئة؟ أم أن هناك بالفعل ترتيبات وصفقات تجري في الكواليس، تسمح بتمرير هذه الانتهاكات مقابل صمت مُرَضّى عنه؟

لا يمكن فهم هذا الصمت المتواصل إلا كرسالة خطيرة تُبعث للمواطن مفادها أن القانون مرنٌ أمام النفوذ، وأن الملك العمومي غنيمة لمن تسوّلت له نفسه الاستيلاء عليها. وهو ما يُفقد الدولة هيبتها الأساسية، المتمثلة في قدرتها على فرض القانون على الجميع دون استثناء. فبقاء هذه الأوضاع يشكل اعترافاً ضمنياً بعجز السلطات، أو الأسوأ، بتواطئها. وهو ما يفتح الباب أمام فوضى عارمة، حيث يتحول كل مواطن إلى حارس لملكيته الخاصة على حساب الملك الجماعي، وتتحول المدينة إلى غابة تحكمها شريعة الغاب.

إن ما يحدث في بنسليمان هو اختبار حقيقي لمصداقية مؤسسات الدولة. فإما أن تتحرك الجهات المعنية، وبقوة وحسم، لهدم كل ما بنيَ على الأرض المغتصبة، واستعادة الحدائق والأماكن العمومية، ومحاسبة كل من ساهم أو سهّل أو تغاضى عن هذه الجريمة في حق المدينة وسكانها، وإما أن يُقرّ رسمياً بأن “شرع اليد” قد أصبح هو الدستور العرفي الجديد. آن الأوان لوقف هذا النزيف في ممتلكات الجميع، قبل أن تتحول بنسليمان، إلى نموذج يُحتذى به في تقويض أسس العيش المشترك وهَيْمنة القانون.

