
المصطفى الجوي – موطني نيوز
عندما نقول لكم إننا نعيش في مدينة أقل ما يمكن أن نَصِفَها بأنها “عشوائية”، فنحن نعي جيدًا ما نقول. هذه ليست مجرد كلمات تقال في لحظة غضب عابرة، بل هي شهادة حية على واقع مرير، واقع تُحَكِّم فيه الفوضى، وتَسُودُه الارتجالية، وتُطَبِّقُه “جماعة” حضرية تختزل مفهوم الإدارة في التخريب المُمنهج. مدينة “السيبة” بنسليمان ليست مدينة فحسب، بل هي مختبر مفتوح للفساد الإداري والمالي والعشوائية المُدَمِّرة، حيث يغني كل مسؤول على ليلاه، مُتناسيًا أن اللحن أصبح نغمة أحزان لساكنة تئن تحت وطأة الإهمال.
هنا، حيث تُحكم المدينة بقبضة من حديد من قِبَلِ بعيدين كل البعد عن هموم الناس، تحولت الأحلام إلى كوابيس، والعمران إلى دمار. لقد أعادت هذه “الإدارة” المدينة بقراراتها العشوائية وتسيبها المزمن إلى عصور الظلام، ليس اقتصادياً فحسب، بل وبشرياً واجتماعياً. وما يسكب الزيت على نار هذا الكابوس هو صمت بعض رجال السلطة المشبوه، وتقاريرهم المزيفة التي تُحَوِّل الأبيض إلى أسود، والدمار إلى إنجاز! إنهم شركاء في الجريمة بالسكوت والتزوير، يُمَهِّدون الطريق لانتشار السرطان العمراني كالبناء العشوائي الذي يلتهم كل شبر، واحتلال الملك العام كما لو كان غنيمة حرب، ودمار البنية التحتية حتى فقدت معنى كلمة “بنية” أصلاً.

والدليل المأساوي لا يحتاج إلى تحقيق طويل. فقبل حوالي ساعة فقط، كادت شاحنة محملة بقنينات غاز البوتان أن تشعل ناراً تلتهم كل شيء، بعد أن سقطت إحدى عجلاتها في بالوعة مفتوحة على الشارع الرئيسي الوحيد بالمدينة “يا حسرة”، شارع الحسن الثاني. هذه ليست بالوعة عادية، بل هي فخ مميت في الشريان الرئيسي للمدينة. فإذا كان هذا هو حال الشارع “الرئيسي” المُفترض أنه وجهة المدينة ومعولها، فتخيلوا – بل لا داعي للتخيل – ما آلت إليه أحوال الأزقة والأحياء الداخلية! إنها فوضى خلاقة تخلق الموت بطيئاً أمام أعين الجميع.
ولئن كان حادث الشاحنة صورة فورية للكارثة، فإن ما جرى ويجري في تجزئة “شمس المدينة” هو الفيلم الطويل لنفس الكارثة. فالتجزئة التي وثقنا مساء أمس وصباح اليوم، ليست سوى نموذجاً صارخاً للإفلاس الأخلاقي والإداري. إنها دليل ملموس، مُصوَّر، على أن هذه المدينة تقع في أيدي غير أمينة، بل في أيدي تتعامل معها كمزرعة خاصة.

مدينة “السيبة” بنسليمان تختنق. وهي صرخة لا تريد سماعها آذان من يتولون أمرها. إنها تتحول إلى كرة من الفوضى تتدحرج نحو الهاوية، بينما القائمون على أمرها إما غافلون، وإما متواطئون. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : إلى متى ستستمر هذه المهزلة؟ وإلى متى ستتحمل الساكنة غياب أبسط مقومات العيش الكريم؟ لقد طفح الكيل، ولم يعد السكوت فضيلة، بل هو تواطؤ. فهل من مُستَجيب؟ فساكنة بنسليمان تعقد أملها في السيد الحسن بوكوتة العامل الجديد ليخلصها ممن أفسدوها ولا يزالون يجثمون على صدور ساكنتها، الله المستعان.